السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

بداية نهاية سايكس بيكو

د. بشير أحمد محي الدين
تهتم دوائر التحليل الامريكية بمتابعة ما يجري على الارض كلها التي تعتبرها مجالها الحيوي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واعلان النظام العالمي الجديد وتأكيد الهيمنة الاميريكية

عبر الزعم بأن الامبراطورية الامريكية اليوم في اقوى حالاتها واقوى من كل الامبراطوريات التي سبق ان غيرت وجه التاريخ .. ويرى المحلل الامريكي ان القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الامريكية اليوم لا تهددها اية قوة وقادرة على الانتشار والانفتاح في اي مكان دونما الاعتماد على المنظمة الدولية او على حلفاء من الدول الدائرة في الفلك الامريكي او غيرهم، لذلك ترى ان قيادة العالم والعمل على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية خط أحمر لا يمكن ان تتجاوزه اية قوة على وجه الارض. وتم تقسيم الكرة الارضية الى دوائر يتم التعامل معها حسب اهميتها السياسية للولايات المتحدة الامريكية, وهذي الدوائر عبارة عن بؤر تحمل تهديدات للامن القومي الامريكي حسب درجة المخاطر، ولعل هذي البؤر (منطقة الشرق الاوسط ومنطقة اوراسيا(الدويلات المفككة من الاتحاد السيوفياتي وشرق اوربا ) وامريكا اللاتينية وجنوب شرق اسيا وافريقيا جنوب الصحراء والاتحاد الاوربي) هي ابرز هذي الدوائر التي يتم التعامل معها وفق رؤية استراتيجية تضمن عدم خروج هذي البؤر من السيطرة.
بؤرة اوراسيا تشمل روسيا وبحر قزوين والجمهوريات التي تفككت عن الاتحاد السوفياتي السابق، وهي منطقة ذات اهمية استراتيجية كون اغلب هذي الدول ورثت سلاحاً نووياً، وهي حوض نفطي مؤثر في انتاج النفط الدولي، اضافة الى ان روسيا بدأت اليوم تعود كقوة دولية تنافس وتستخدم قواعد اشتباك مسلح في الشرق الاوسط، وكان الجهد الامريكي قائماً على تفكيك الدول هذي ومنعها من تكوين رابطة سياسية او اقتصادية، والسعي لضم العديد من بقايا الاتحاد السوفياتي الى الاتحاد الاوروبي، وتم التنسيق لانطلاق الثورات الملونة التي تنهي شكل اي تحالف قادم وتؤسس لقطيعة بين تاريخ هذي الدول خلال الحقبه السوفييتية الماضية.
بؤرة الشرق الاوسط من البؤر الملتهبة التي تتحرك فيها الاحداث بصورة درامية كما تتحرك رمالها الساخنة، وتشهد تدخلاً من قوى صاعدة مثل روسيا والصين والاتحاد الاوربي، علاوة على ان مكون الشرق الاوسط المتنافر نفسه قابل للصراع على اسس اثنية ودينية واجتماعية، اضافة الى وجود الحليف الاميركي الفاعل والمؤثر في خريطة المنطقة وهو اسرائيل.
لذلك تطلب الامر التفكير في اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط على اسس امريكية وليس الابقاء على الخريطة الموروثة من الاستعمار الفرنسي والانجليزي التي وضع حدودها في اتفاقية سايكس بيكو المنتهية الصلاحية بعد مرور مائة عام عليها. ولأن مفهوم الجيوبولتيك الامريكي ادخل لغزاً في السياسة الدولية وهو مفهوم (الحدود الشفافة او المرنة)، ولم تعد الولايات المتحدة تنظر لمبادئ السيادة والحدود التقليدية للدولة كمحدد اساسي لنهاية سيادتها، بل اعتبرت ان مفهوم الحدود السياسية بالمفهوم القديم لا يتماشى مع نظرية الامن القومي الامريكي، لذلك عمدت إلى التدخل تحت شعارات جديدة مثل الحرب على الارهاب والديمقراطية، وذلك للوصول للموارد والمواد الخام التي يزخر بها الشرق الاوسط، وترى ان تغول اية قوة اقليمية او دولية تدخل سافر في مواردها التي هي يد الدول الصغيرة المفككة التي يجب ان ترضخ للهيمنة الامريكية.
اعلان الرئيس جورج دبليو بوش بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2011م (بأن من ليس معنا فهو ضدنا) كان ضربة البداية للمضي في مشروع اعادة رسم الخريطة، فتم الاعتماد على الاثنية المنتافرة بدعوى حماية حقوق الاقليات من التهميش والعمل على اكساب المنطقة ثوب الديمقراطية الامريكية، والعمل تحت الطاولة باجندة سرية منها دعم الاقاليم والاثنيات في رفع السلاح وتوطين التمرد والحصار الاقتصادي، وسميت باستراتيجية (وسط العاصفة)للدول التي يمكن ان يستشعر انها تناؤي السياسة الامريكية، فعمل المخطط والسياسي الامريكي على طحن الشعوب بنيران التمرد والحصار الاقتصادي ومنع التكنولوجيا واغراق الدول هذي في دوامة الصراع الطائفي والجهوي، وما حالة دارفور وجنوب السودان والمنطقتين ببعيدة عن هذا المخطط. اما الدول التي ادعى الرئيس جورج دبليو بوش انها معهم اي حليف في الشرق الاوسط نفسها لم تسلم من حالة التقسيم والاغراق، فهاهو الخليج العربي تم التلاعب بأمنه بعد ان كانت الولايات المتحدة الضامن له باساطليها، فتم ضربها في مفاصل التهديد، ومنها اعطاء اشارات لنظام الملالي في ايران بأن يصبح قوة نووية وغض الطرف عن نشاطه التوسعي القائم علي استراتيجية (عودة ايران لابتلاع الجيران)، وطبعاً هنا المستهدف دول الخليج العربي واليمن والسودان ومصر. ثم عمد المخطط الامريكي الى اكذوبة النفط الصخري لادخال الدول العربية المعتمدة على انتاج النفط في دوامة الافلاس وتراجع ميزان مدفوعاتها ثم التلاعب بالكتل النقدية التي تستقر في بطن النظام المصرفي الامريكي والمقدرة باكثر من خمسة ترليونات دولار تحت قانون العدالة للضحايا (جاستا)، وفتح جبهات مواجهة جديدة في اليمن وسوريا وليبيا، وتعزيز نشاط التمرد في السودان واغراق جنوب السودان في الصراع القبلي، اضافة الى المواجهة الطائفية (سنة ــ شيعة) وتهجير السكان الممنهج في مناطق النزاعات، والعودة للحديث عن الضحايا وفشل النظام الاقليمي وعدم قدرته علي مواجهة الازمات التي اشعلتها الولايات المتحدة الامريكية وكانت هي العدو قبل الصديق.
اعود واقول لاصحح لجورج بوش مقولته (من ليس معنا فهو ضدنا) بأنه كان بالاحرى ان يقول (من معنا او ضدنا فهو عدونا) على الرغم الجهود التي بذلتها كل دول الشرق الاوسط في محاربة الارهاب والعمل والاتساق مع الموجهات الامريكية وتعديل اوضاعها الاقتصادية والسياسية على نسق (بريتون ودز)، الا ان الصقر الامريكي يرى ان اعادة ترتيب المنطقة تتطلب تعديل الخريطة السياسية، فيتم تقسيم السودان لاربع دول والسعودية لثلاث دول ومصر لثلاث دول والعراق لاربع دول وسوريا لثلاث دول واليمن لثلاث دول وليبيا لثلاث دول، وادماج اسرائيل في النظام الاقليمي الجديد، وتكون ايران واسرائيل مراكز قوى، ويتم محو السنة وإضعافهم على اساس ان الارهاب ينطلق من اراضي وشباب السنة.