السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

رياح ورماح .. محمد قور حامد

وفي القلب موات من ذكرى
مثلما طائر موسمي مليء بالشجن والحنين.. يجيئني في كل عام مرة صديقي عبد الرحيم ابراهيم احمد من ابناء التبون في غرب كردفان. عبد الرحيم الذي ولدتُ معه في (دنقر) واحد في حوش التبون الكبير.

كان في ذلك العام من منتصف السبعينيات.. وتم تسجيلنا في مدرسة التبون الابتدائية (أ)، ولما كانت التبون مازالت قرية يانعة تعيش تاريخها البكر, كانت مفردات مثل جاتك(نيلة تخمك) و(جاتك كوليرا) تعتبر سباً مقذعاً لا سيما اذا كان فاعل هذا الشيء هو استاذ بقامة معلمنا ومربينا الاستاذ احمد فرح الذي نهابه جميعاً.. كان ذلك في منتصف السبعينيات.. فهو من ابناء البحر الذين القت بهم وزارة التعليم في رمال التبون.. التي لم تنبت فيها (عُشبة نيلة) واحدة منذ فارقتها وحتى تاريخه.
تمر الايام والسنون وتتبدل حكومات وتتغير مواقف وتختفي تحت احذية البعض ايديولوجيات في حين ترسخ في اعماق وعقول كثيرين معتقدات وثقافات سياسية يصبح تجاوزها اصعب من (دخول الجمل فم سّم الخياط).
ولكن مازال صديقي الموسمي طائراً فينيقياً يحرق ذاته من أجل أن يظل انسان التبون صحيحاً دون ان تأكله وتغتاله من تحته المحليات المجاورة.
في آخر حادثة في عام 2011م ذكر لي عبد الرحيم وبما ان التبون منطقة (متماسة) و(متاخمة) لاقليم دارفور الملتهب.. اقتضى الامر ان يكون هناك وجود مكثف لقواتنا المسلحة لحراسة إنسان المنطقة.. ولكنه يأسف كثيراً للأحداث والتعدي الاجتماعي لهؤلاء الافراد على بعض الأحياء.. فيشتبكون مع الأهالي.. وبدلاً من حمياتهم .. حسب.. عبد الرحيم.. يعملون على زعزعة الاستقرار الاجتماعي.
ذكر عبد الرحيم ان هناك جنايات وصلت الى حد اطلاق الرصاص والقتل والاشتباك المتبادل.. كلها سجلت وتشهد عليها حكومة جنوب كردفان.
ولا اشك في ما رواه عبد الرحيم.. ولكن لماذا لا يتم استبدال هذه القوات المحترمة بقوات من أبناء المنطقة.. فهم على الأقل سيراعون حرماتهم ويقدسون اعرافهم وتقاليدهم وقد كان ذلك قبل اربعة اعوام خلت.
عبد الرحيم إبراهيم أحمد وهو ابن اكبر تجار التبون في النصف الأخير من السبعينيات وحتى مطلع الثمانينات.. يحكي لي أن جماعة متنفذة كذلك من الافراد استطاعت (بيع ) اماكن عدة في سوق التبون، حيث يتم الشراء لأناس لا تربطهم صلة بالمنطقة (عرقياً او جغرافياً). وقال: (باعوا كل الجزء الجنوبي من التبون.. ولم يتبق هنالك يا قور إلا أشجار النيم التي تشهد على (أطلال حلتكم)
قلت: سبحان الله
ولا أدري كيف ولماذا استدعت ذاكرتي نشيداً قديماً كانت كل المدراس وقتها تلحنه على ايقاع إحدى أغنيات الراحلة عائشة الفلاتية
طائر يشدو على فنن
جدد الذكرى لذي شجن
قام والأكوان صامتة
ونسيم الصبح في وهن
قلت ويك لا تجزع لنازلة
فما لطير الجو من وطن