الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

الحكم الفقهي في اجتماع صلاة الجمعة والعيد

الشيخ محمد الخير إبراهيم أحمد
رجوع العالم للحق يحسب من حسن نظره وقدر معرفته، وبذلك يكون قد انتظم في سمط العلماء، والحجاج إذا وردت على العالم وأذعن لها يكون في بحبوحة إكليل ومحفوف بالتقدير والاحترام في حلقتهم وهو في رفقتهم،

ويكون قد أبدى العجاب وإن سئل أمام طلبته أجاب. وإلا كان خالي الوفاض ، وإن سئل جعل جوابه أرضها سماءها، وصبحها مساءها. وشروعي في هذا الموضوع الذي ما مر عام إلا زججنا في لجة بحر، الغير ما لهم فيها مسبح، فلو أراحوا أفكارهم من الكد وتركونا نسعد بالعيد السعيد، كان أسعد لنا ولهم.
إذا اجتمع جمعة وعيد قال: سيدنا عثمان رضي الله عنه كما في حديث الموطأ: إنه قداجتمع لكم في يومكم هذاعيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظرالجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له. يقصد بأهل العالية سكان المناطق البعيدة عن المدينة المنورة (القرى).
إليك حجة جمهور العلماء والأئمة القائلين بصلاة الجمعة إذا اجتمع عيد وجمعة :-
قال : مالك بين أبعدها وبين المدينة ثمانية أميال . قال: الباجيروابن القاسم عن مالك أن ذلك غير جائز وأن الجمعة تلزمه مع كل حال . وفي الشرح الكبير الأعذار التي لا يجوز لأجلها ترك الجمعة شهود ٌوافق الجمعة.
قال : مالك وأبوحنيفة إذا اجتمع عيد وجمعة فالمكلف مخاطب بهما جميعاً العيد على أنه سنة والجمعة على أنها فرض، ولا ينوب أحدهما عن الآخر وهذا هو الأصل، إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه، ومن تمسك بقول عثمان رأى أن مثل ذلك ليس هو بالرأي وإنما هو توقيف وليس هو بخارج عن الأصول كل الخروج ، وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي بدل له لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جداً (البداية والنهاية).
قال : الشافعي في كتابه (الأم) إذا كان يوم الفطر ويوم الجمعة صلى الإمام العيد ثم أذن لمن حضر من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاءوا إلى أهليهم ولا يعودوا إلى الجمعة والاختيار لهم أن يقوموا حتى يجمعوا. وقال: ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر ، وبه قال الحنفية. أهل المصر هم سكان (المدن) والجمع أمصار.
جاء في المجموع صفحة (412) : إذا اتفق يوم جمعة ويوم عيد، وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد. وفي أهل القري وجهان : عن عثمان ، ونص الشافعي فحملهما على من لا يبلغه النداء.
قال : الطحاوي في (مشكل الحديث) إن المرادين بالرخصة في ترك الجمعة هم أهل العوالي الذين منازلهم خارجة عن المدينة ممن ليست الجمعة عليهم واجبة، لأنهم في غير الأمصار والجمعة تجب على أهل الأمصار.
حجة المخالفين القائلين بعدم صلاة الجمعة إذا اجتمع عيد وجمعة تتمثل في حديثين وهما :-
1-عن زيد بن أرقم رضي الله عنه وسأله معاوية: هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا ؟ قال : نعم ، صلى العيد أول النهار، ثم رخص الجمعة فقال ( من شاء أن يجمع فليجمع) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
2-وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان ، فمن شاء أجزاه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة.
وجاء فى المغنى لابن قدامة : قال (وإن اتفق عيد في يوم جمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام، إلى أن قال : أكثر الفقهاء تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها لأنها صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد ) .
دحض حجتهم : حديث زيد بن أرقم في إسناده (إياس بن رملة ) وهو مجهول .أما حديث أبوهريرة ففي إسناده (بقية بن الوليد) وقد صحح أحمد بن حنبل والدارقطني إرساله ورواه البيهقي موصولاً مقيداً بأهل العوالي وإسناده (ضعيف). نيل الأوطار الجزء (3) صفحة (357).
حجة الجمهور : الحديثان مخصوصان لمن لا تجب عليه الجمعة ، وقول سيدنا عثمان : (من أحب من أهل العالية) : وقوله صلى الله عليه وسلم (إنا مجمعون)، كان خاصاً بأهل العوالي (القرى) الذين سقطت عنهم صلاة الجمعة، لأنهم يبعدون عن المسافة المشروعة لحضورها، وهي عند المالكية (3) أميال .
جاء في الاستذكار لابن عبد البر الجزء (7) صفحة (31) : وذكر معمر عن هشام بن عروة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، قالت : كان أبي من المدينة على ستة أميال أو ثمانية فربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها.
أيضاً جاء في الاستذكار الجزء (7) صفحة (31-32) وقال مالك والليث : تجب الجمعة على أهل المصرعلى من كان منه على ثلاثة أميال .وقال الشافعي : تجب الجمعة على من كان بالمصر وكذلك كل من يسمع النداء ممن كان خارج المصر. وبه قال : أحمد وداود ، وهو قول عبدالله بن عمر وبن العاص وابن المسيب ، وقال ابوحنيفة على كل من كان بالمصر وليست على من كان خارج المصر يسمع النداء أو لم يسمعه. روى الطحاوي في مشكله (قال اجتمع عيدان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم أصبتم خيراً وذكراً، وإنا مجمعون ، فمن شاء أن يجمع فليجمع ، ومن شاء أن يرجع فليرجع ) فهذا كالصريح في أن الحكم لغير أهل المدينة في الرجوع إلى اهليهم. وأيضاً قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِين َآمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ٰذِكْرِ اللَّهِ) لم يخص عيداً من غيره.
بعد أن أوضحنا أن المسافة التي يجب على المسلم بها شهود صلاة الجمعة من أهل (العوالي) وهي (3) أميال ، واستمر الحال من عهده صلى الله عليه وسلم إلى خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه ورضيي الله عنه ، ثم جاء من بعدهم التابعون فأباحوا تعدد صلاة الجمعة في المساجد التي تبعد (3) أميال فما فوق من مسجده صلى الله عليه وسلم أو أي مسجد عتيق، بذلك يكون قد انتفى عذر شهود صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع عيد أو لم تجتمع للجميع (الأمصار) و (العوالي) .
من ناحية أخرى لا يقبل شرعاً ولايفهم عقلاً بأن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه بصلاة الجمعة بقوله (إنامجمعون) ويسقطها عن سيدنا ابي بكر وعمر وبقية الصحابة رضوان الله عليهم وهم معه في مدينته ، وإنما الفهم الصحيح أن الخطاب كان موجهاً لأهل (العوالي ) الذين يبعدون عن مسجده صلى الله عليه وسلم المسافة التي تسقط صلاة الجمعة.
ختاماً : كيف يروج ويفرض ويحمل الناس على رأي واحد؟. وهنالك آراء أخرى معتبرة من جمهور العلماء والأئمة الثلاثة تقول بوجوب صلاة الجمعة إذا إجتمع عيد وجمعة. والله أعلم.