الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

board

الملاك والشيطان وفرم التجنيب

> حتى وزير المالية الركابي بمنطق لا بد مما ليس منه بد، يقر بما ظللنا من سنين نطرقه باعتباره هو سبب استمرار غلاء الاسعار ..لكن يفاجئنا وزير التجارة (وزير محاصصة) بقول غريب يجعل به قضية الغلاء وكأنها قضية انتخابات أو حريات أو حوار وطني بلا معالجات نقدية .

> وقبل أن نرد على تصريح وزير التجارة حول نفيه صفة الملاك والشيطان عن الحكومة .. وإنها بين المنزلتين .. أي أنها تجمع بين الرحمة والكيد في آن واحد
.. فإن احد خبراء الاقتصاد يحدثنا عن أن حجم الكتلة النقدية يزيد عن الحجم الطبيعي بمقدار 25%، وطبعاً هذه النسبة هي السبب وراء انخفاض قيمة العملة الوطنية ورفع الأسعار بصورة مستمرة.. ويتضرر اصحاب الدخل المحدود .. ويقول وزير التجارة: الحكومة لا ملاك ولا شيطان .. فهو يحدد للناس صفة الحكومة وهو وزير التجارة.. ووزارة التجارة تبقى هي شيطان الميزان التجاري .. وغيرها شيطان استهلاك النقد الأجنبي .. ولو كان هناك ملاك فهو في الجيش والشرطة.. فهما بأبناء الغبش محدودي الدخل فعالون لا قوالون.
> 25% في الكتلة النقدية عبارة عن تورم نقدي خبيث .. يظهر خبثه في استمرار غلاء الأسعار .. ونؤكد بذلك أن الحكومة ليست ملاكاً .. وأيضاً ليست بين المنزلتين .. لكن كيف زادت الكتلة النقدية من حجمها الطبيعي الذي يتحقق به استقرار الأسعار؟
> زادت لأن البنك المركزي ألعوبة في يد الجهاز التنفيذي .. يستهلك النقد الأجنبي فيه متى يشاء.. والخبراء الاقتصاديون يتحدثون عن شح في النقد الأجنبي .. وكأن البلاد لم تكسب مليارات الدولارات من عوائد مختلف الصادرات والودائع والمنح بعد تحسين العلاقات مع الخليج.
> إن العملة الأجنبية ..لا تخزنها الحكومة ولا تهربها لأنها بين (المنزلتين) فهي فقط سمحت بتحويلها خارج البلاد بالسعر الموازي للعاملين من دول الجوار وغيرهم.. بعد أن طلبتها بالسعر الرسمي .. للاستفادة من الفرق في الصرف الشهري (مرتبات وخدمات) واليومي (وقود ومبانٍ) خارج الموازنة .. وهو سبب الورم النقدي الخبيث في الكتلة النقدية. لقد عبرت مليارات الدولارات الحدود كتحويلات مغتربين من دول الجوار وغيرها .. عبر جسر المضاربات بعد أن دخلت البلاد كعائدات تصدير وودائع ومنح.
> فهذا هو سبب التورم بنسبة 25% في الكتلة النقدية .. حتى اصبح العمل مقابل مرتب شهري محدود غير مرغوب فيه .. وعدم الرغبة لها مؤداها الخطر الكارثي احياناً.
> فقط من لا يتأثر باستمرار أسوأ سياسات نقدية في التأريخ هم اصحاب الاعمال الحرة.. لأن الاسعار لكل شيء غذائياً كان أو خدمياً أو سكنياً تزيد لصالحهم.. لكن صاحب الدخل المحدود ويل له من سياسات نقدية تتعامل بها حكومة بين (منزلتين) كما وصفها وزير التجارة.
> وأضحك مع حكاية منظمة التجارة العالمية .. فإن خبيراً ضخماً مثل عبد الوهاب بوب يقول إن حظر الحكومة استيراد بعض السلع سيحرمها الدخول في هذه المنظمة.. تخيل أن وزير المالية نفسه يبرئ ساحته باعترافه النبيل قائلاً بأن الحكومة أكبر مستهلك للدولار، والخبير بوب يحمل هم دخول السودان منظمة التجارة العالمية.
> هل الحرمان من دخول المنظمة هذي أعظم من استهلاك الحكومة للنقد الأجنبي؟ كلا طبعاً .. وحتى المنظمة لا يلعب دخولها دوراً مهماً في استقرار الأسعار .. ويكفي السودان الاستثمارات الموجودة وهي في ازدياد .. لكن استهلاك الحكومة للنقد الأجنبي بصورة مزعجة ومخيفة ومقلقة وطاردة من الوطن يكون بسبب الصرف خارج الموازنة .. وتضاف إليه مليارات من الاموال العامة المجنبة في خزائن بعض المؤسسات الصحية والتعليمية والتأمينية وغيرها.. قال جنبوا قال!!
> وكل هذا السلوك الحكومي في استهلاك النقد الأجنبي والتجنيب .. هو سبب الورم الخبيث في الكتلة النقدية بنسبة 25%، وهو سبب استمرار غلاء الأسعار وتفاقم الضائقة المعيشية.
> إن الاسلام بريء من كل هذه السياسات المالية والنقدية والسلوك الاقتصادي .. فإن بيت المال في الشريعة الاسلامية واحد .. فلا يوجد مال عام في خزائن أخرى غير بيت المال المعروف .. ولكن في دولة المشروع الحضاري لا تسد الحكومة عجز الموازنة العامة بأموال مجنبة هي الأخرى اموال عامة وليست اموال شركات خاصة أو أسر وعوائل وارثة.
> فهل تقدم الحكومة السياسة الاسلامية في المعاملات بأكثر من بيت مال واحد؟ إذن تعدت حدود الله .. وتصفير العداد الحقيقي يكون للمراجعات الشرعية أولاً في مسألة استهلاك الحكومة للنقد الأجنبي بصورة مقرفة لا حاجة لأمن واستقرار المواطن بها، مع وجود جيش محترف باستخبارات ذكية وشرطة منضبطة وضابطة بمباحث جنائية ذات خيال جنائي واسع .. وترصد ميزانية لهما في الموازنة.
> دعونا نتحاسب والحساب ولد .. لماذا تحتاج الحكومة لاستهلاك النقد الأجنبي وتجنيب اموال الشعب؟ وهل تفهم الاحزاب والشخصيات المشاركة معها في السلطتين التنفيذية والتشريعية كل ذلك؟ أم أنها تجهل .. وتشارك فقط من أجل لقمة العيش وجغمة الوقود بمنطق أن المعايش جبارة؟
غداً نلتقي بإذن الله.

الأعمدة