الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

علي عثمان.. الكبريت والسيولة

> اراد علي عثمان محمد طه أن يرد على من يتحدثون عن الأزمة الاقتصادية الآن .. فقام بالمقارنة بين حالة اقتصاد ندرة عابرة عام 1958م وبين حالة كارثة نقدية عظيمة الآن متمثلة في استمرار اكثر من سعر للصرف مع وجود شركات ومؤسسات حكومية شغلها الشاغل تجنيب الاموال العامة والمضاربات في العملة والقيام باعمال تخص مؤسسات رسمية أخرى.

> قال شيخ علي إن المواطنين في الخرطوم عام 1958م عدموا عود الكبريت وكانوا يستعينون بالجيران في الجمرة ..أي أن النار لم تنعدم .. وهي واحدة من ثلاثة الناس شركاء فيها ..الماء والنار والكلأ.
> وقبل انتاج اعواد الكبريت .. وقبل الاستقلال من حكم أسرة محمد علي باشا اليهودي الالباني الخادع للعثمانيين وهو سابق للمهدية كيف كان الناس يتحصلون على النار؟
> وعام 1958م نفسه لم تكن فيه الحياة المدنية في السودان عند السواد الاعظم من سكان العاصمة المثلثة متطورة لدرجة أن يكون مصدر استيلاد النار هو عود الكبريت .. فاكثر سكان العاصمة بمدنها الثلاث وقراها هم قبائل الجموعية والاحامدة والبطاحين والمسلمية والعبدلاب.
> وحتى الجمرة كانت مع شح اعواد الكبريت متوفرة .. والحصول عليها بغير الكبريت كان يناسب حينها مستوى التطور المدني .. لكن العبرة بقيمة العملة .. فقد كان الجنيه السوداني يساوي أربعة دولارات .. فكم يساوي الدولار الآن مقابل هذا الحنيه .. واحسب بالقديم الحقيقي وليس الجديد الوهمي بدون الاصفار الثلاثة الكامنة في قيمته رضينا أم أبينا.
> كان يمكن أن يتحدث شيخ علي بمثل هذا الحديث عام 1989م .. كما تحدث العميد بحري صلاح كرار قائلا إنهم لو لم يأتوا لوصل سعر الدولار إلى عشرين جنيهاً (بالقديم طبعاً) لأن العشرين بالجديد كانت هي سعره قبل شهور قليلة جداً .. وحديث صلاح كرار مضى عليه ثلاثون عاماً تقريباً.
> في عام 1958م لو شمل اقتصاد الندرة بعض السلع التي يمكن ايجاد البديل لها أو يمكن الاستغناء عنها مع الحفاظ على قيمة العملة العالية .. فلا خطورة في الأمر.. لكن ..
> لكن الآن كل ما تريده متوفر سواء كان منتجاً محلياً أو مستورداً .. وقد ودعت البلاد تماماً اقتصاد الندرة والشح .. لكنها ودعت أيضاً قيمة العملة الوطنية .. وهي كل يوم تودع فيما ينتهي إليها من قيمة .. وشح اعواد الكبريت يبقى افضل من عملة ذات قيمة مستمرة في التدني والأسواق ممتلئة بكل السلع الضرورية. والاستفزازية والمنتهكة للقيم والاعراف السودانية الكريمة.
> شيخ علي .. إن نوع الأزمة الاقتصادية في خمسينيات القرن الماضي ..أي قبل اكثر من ستين عاماً تختلف عن نوعها الاقتصادي اليوم بعد تعدد وتطور وسائل الانناج.. وقتها كان نوعها اقتصاد ندرة وشح وقلة منتوجات للحياة المدنية التي كانت في السودان تشكل اقل من تسعة في المائة .. والآن سببها سوء السياسات النقدية .. الآن نقدية.
> الآن افضل ما انجزته حكومتكم بعد تحقيق الأمن المحسود به السودان هو اقتصاد الوفرة .. الانتاج والانتاجية والاستيراد المفتوح في ظل سياسة التحرير .. لكن فيل السياسات النقدية الكارثية الحالية يطأ ما يلمه نمل الانتاج والانتاجية.
> ما اضرت به الحكومات الأولى نظام الاقتصاد الكلي وجد العلاج من حكومتكم في تسعينيات القرن الماضي مع تحديات فاتورة الحروب .. لكنكم نقضتم غزلكم من بعد قوة انكاثاً بفرض سياسيات نقدية دافعها الاقوى هو الخوف من المصير.
> المصير لا خوف منه.. فمؤسسات الدولة تقوم بواجباتها المنوطة بها لصالح استمرار الحياة السياسية بشكلها الحالي .. والنظام الحاكم لن يكون مصيره مثل انظمة سقطت وأخرى آيلة للسقوط .. لذلك لا داعي لاستمرار هذه السياسات النقدية التي اجتمع في ظلها لأول مرة في التأريخ وفرة الانتاج مع استمرار غلاء الاسعار.
> شيخ علي .. لتكن المقارنة بين الوضع الحالي وبين الوضع ايام وزارة الدكتور عبد الوهاب عثمان في التسعينيات قبل استخراج النفط.. لكن لسنا في حاجة إلى المقارنة بينه وبين وضع منذ اكثر من ستة عقود .. وفي الخرطوم فقط .. لماذا ..؟
> الوضع الآن فيه امتصاص سيولة رهيب.. فبماذا يشتري الناس أعواد الكبريت .. بماذا ..؟
غداً نلتقي بإذن الله.