الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

مراجعة (إخواني) لمنهجيتهم

في هذه الأيام نقرأ مقالات متنوّعة عن (الحركة الإسلامية) ، وما اطلعت على كتابات هي  لأبنائها ، وما اطلعت عليه جعلني أعود إلى حوار تلفزيوني سابق أجري قبل عامين مع الدكتور غازي صلاح الدين بقناة أم درمان ، تضمن مراجعة مهمة واعتراف خطير،

صرّح فيه الدكتور غازي بأن العناية والاهتمام بالدولة قبل العناية بالمجتمع هو من (الفهم المعكوس) !! ، وبيّن من خلاله أن الفكر القائم على تعظيم الدولة أكثر من المجتمع هو أمر غير ما يُرَى في هدى القرآن الكريم وهدى الإسلام، جاء ذلك وغيره في الحوار التلفزيوني الذي أشرت إليه وفي إحدى إجابات الدكتور غازي قال : (هو هذا، النقد الآن يوجَّه ليس فقط إلى تجربة الإنقاذ وهي تجربة لها خصوصية في مبدئها وفي منطلقها وفي طريقتها في معالجة الأشياء، ولكن هو نقد يوجه الآن حتى إلى التجارب الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الاقتراع في مصر وتونس وفي مناطق أخرى، والتهمة في نظري جديرة بالنظر والتدبر فيها، والحصول على إجابة عنها، التهمة هي في أساسها أن الفكر الإسلامي المعاصر يعظِّم من شأن الدولة أكثر مما ينبغي ويهون من شأن المجتمع، في حين أن هذا هو بالضبط معكوس، ما تراه في هدى القرآن وهدى الإسلام الذي يركِّز على المجتمع جداً، بمعنى أن المجتمع إذا صَلُح فذلك أرجى لئن يصْلُح الحاكم، ولكن التجارب الإسلامية في النقد الذي يوجَّه إليها أعتقد أنه نقد يستند إلى حقائق، وأنه يستدعي الإعادة في النظر في مجمل النظرية في أن الدولة مهمة للغاية، بدرجة أحياناً تسبق المجتمع، وهذا الذي تراه الآن سواء في السودان أو في بلاد أخرى هو نتاج بذلك الفهم المعكوس، لو أنني كنت مُصَوِّباً في الحقيقة في جهدي وفي دعوتي وفي كسبي اليومي لكنت مُصَوِّباً نحو المجتمع، لأن المجتمع هو الأرسخ والأقعد والأحفظ للقيم على المدى البعيد، أما الحكام فيأتون ويذهبون).
قلتُ: توثيق هذه المراجعة المهمة من الدكتور غازي والتعليق عليها من الأمور المهمة، وهي شهادة من سار في برنامج الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) عقوداً من الزمان، وهو ليس كأي شخص سار في هذا الطريق، فهو من القيادة، وها هو يشهد بأن العناية بالمجتمع هي (الأهم والأسبق) ، وهذا المعنى بعمومه ــ هو ما يشير إليه المنهج السلفي ويقرره في أصول الدعوة السلفية ويصطلح عليه دعاة السلفية بــ «التصفية والتربية»، فالعناية بتصفية الإسلام مما يشوبه من الشركيات والبدع والمحدثات الخرافات والأحاديث الموضوعة والضعيفة والانحراف في الفهم وغير ذلك، والعناية بتربية أتباعه على الإسلام المُصفّى النقي، هو السبيل الحقيقي للتمكين، وهذا من سنن الله تعالى التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، فكما يكون الناس تكون أحوالهم ومعايشهم ويكون حكامهم . وأتمنى أن يفيد من هذا الاعتراف المهم من شخص بمقام الدكتور غازي صلاح الدين في الحركة الإسلامية التي ينتسب إليها أتمنى أن يفيد منه أتباع الحركة الإسلامية، وفي هذا الاعتراف درس بليغ لبعض المولعين والمفتونين بالسياسة المعاصرة من المنتسبين لدعوة التوحيد.. من الذين رأوا طريق التصفية والتربية طويلاً فتعجّلوا وفتن بعضهم ببريق المناصب، وفي ما حدث في عالمنا الإسلامي في الوقت المعاصر الدرس الأبلغ، لأتباع الحركة الإسلامية ولغيرهم. 
وأجد المقام مناسباً لأعضّد اعتراف الدكتور غازي صلاح الدين بجزء من مقالٍ سابق نشرته بهذه الصحيفة بعنوان : «نصيحة إلى المنتسبين للحركة الإسلامية» وقد قلتُ فيه: 
فيا أتباع الحركة الإسلامية إن المطلب الأعظم للشريعة وللإسلام ولكل الرسالات ولكل الأنبياء ولكل الكتب السماوية، هو عبادة الله وحده لا شريك له.. وترك عبادة من سواه.. أن يفرد الله وحده بالتوحيد، هذه هي الغاية التي خلق الله لأجلها الجن والإنس وخلق الحاكم والمحكوم وجميع المخلوقين، أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.. وأوجدهم لتحقيق العبودية التي تكون في طاعتهم له وتعظيمهم أمره ونهيه.. وهذه القضية العظيمة ليست بحاجة لأن تورد فيها نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية تدل عليها، فهي حقيقة يجب إدراكها والعمل بها.. قال الله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».. وجاء في حديث معاذ رضي الله عنه الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا بها شيئاً». وهذا هو السبب الأعظم لتحقيق أي اجتماع صحيح وسليم. وإن الله تعالى قد خلق هذا الإنسان واستخلفه في الأرض وأمره بأن يسير على صراطه المستقيم، وقد بين الله تعالى أن من يمكنهم في الأرض يجب عليهم القيام بعبادته سبحانه بالمعنى العام للعبادة التي تتضمن جوانب الدين كله كالعقيدة وأصول الإيمان وأركان الإسلام، وأحكامه وآدابه وأخلاقه وسائر تشريعاته، قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
كما حث الله تعالى من يمكنهم في حكم الناس على القيام بمهمتهم التي ذكر منها: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).
إن مما يتبيّن وجوب النصح فيه للحركة الإسلامية: قيامها على منهج ومبدأ «التجميع» و «تكوين العضوية» دون النظر في ما عليه الأفراد من مناهج وعقائد، ولذلك فعضوية الحركة الإسلامية تضم بين أعضائها أشخاصاً متباينين في عقائدهم وأفكارهم ومبادئهم، فهم «طرائق قِددا» فبينهم المتصوف وبينهم ما يرى أن التصوف خطأ وبينهم من يدعو للتقارب مع الشيعة الرافضة وبينهم المتأثر ببعض التيارات الفكرية وبعضهم غير ذلك، فمن المُسَلَّمات الواضحات في منهج الحركة: عدم العناية بأن تكون العقيدة الصحيحة هي نقطة تمييز وفرقان في العضوية، ويقوم منهج الحركة على عدم إعطاء العقيدة مكانتها في أمر الولاء والبراء، والحرص عليها باعتبارها السبب الرئيس والأعظم في النصرة الربانية والرعاية الإلهية والتوفيق والتسديد، وكم هو مهم للحركة الإسلامية أن ترجع إلى المنهاج النبوي لتقف على رعاية النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أمر المعتقد وتوجيه الناس للاستسلام لله الواحد القهار، والعناية بتصحيح العقيدة، وعدم التهاون بشأنها أو غض الطرف عن الأخطاء فيها، وبيان أنها أساس أي اجتماع موفّق مهما صغُر أو كبُر.
وهذا الجانب المهم يشخص الداء الذي أصيبت وتصاب به الحركة الإسلامية، فالاجتماع أساسه: الاجتماع على المنهاج الواحد والسبيل والطريق الواحد، وأساس الاجتماع إفراد الله تعالى وحده بالعبادة وهو التوحيد الذي خلق الله لأجله جميع الخلق. إن واجب النصح يقتضي أن نقول للحركة الإسلامية أن تصحح مسارها ومنهاجها وفهمها لقضايا الدين والشريعة ولتصحح الفهم للمصطلحات، وتعتني بالعقيدة الصحيحة وتربي أفرادها عليه ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن يتم اجتماع إلا على ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما أن الاعتصام يكون بالحق الواحد الذي لا يتعدد، وأن سبيل التمكين هو تحقيق التوحيد، وهذه قصص الأنبياء مع أقوامهم فيها العناية بالتوحيد والتمسك به والدعوة إليه والتحذير مما يخالفه ولا مجاملة في ذلك، لأن عبادة الله وتوحيده هي سبيل النجاة للأفراد والمجتمعات ولا عز إلا بذلك.. لتعرض الحركة الإسلامية منهجها الذي قامت عليه على «التجميع والتكتيل والتحزيب» دون العناية «بالتصفية والتربية» والعناية بالعقيدة الصحيحة لتعرض ذلك على الكتاب والسنة وتنظر في مسيرتها التي قاربت القرن من الزمان دون تحقيق ثمرات واضحة على مستوى أفرادها ونفسها فضلاً عن غيرها!! ولتستفيد الحركة الإسلامية من المرحلة التي تمر بها في تصحيح ما هي عليه من أخطاء في منهاجها وأصولها وأهدافها وغاياتها، ومن ذلك إهمالها لأمر إفراد الخالق بالتوحيد والتربية على ذلك، والعناية بالتحذير من الشرك عملاً بالكتاب والسنة وأصول الشريعة، ونصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسسلمين وعامتهم ، وأداء للأمانة ونصحاً للأمة .. فالحق ضالة المسلم ..والموفق من وفقه الله.