الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

عقيدة (الفنـــــاء) في ديوان (رياض الجنة)

إن من ينظر في ديوان (رياض الجنة) يجد أنه قد ذكر هذه العقيدة  - عقيدة الفناء – وهي ما يسمى (وحدة الشهود ) يجده قد ذكرها كثيراً وقررها. ومصطلح ((الفناء)) معناه عند الصوفية : تبديل الصفات البشرية بالصفات الإلهية دون الذات ،

فكلما ارتفعت صفة قامت صفة إلهية (معجم مصطلحات الصوفية ).. وأما (وحدة الشهود) أو الشهود فهو عندهم : رؤية للحق بالحق ، يعني الكاسب الذي يكون قد عبر مراتب الكثرات الموهومات الصورية والمعنوية ووصل إلى مقام التوحيد العياني فحينذاك يتأمل في صور جميع الموجودات التي ترى الحق. وعندئذ يرى نفسه وجميع الموجودات قائمة بالحق . فتنتفي الغيرية والاثنينية من أمام بصره ، فيكون الحق في كل ما يبصره ويكون الحق في كل ما يعلمه (معجم مصطلحات الصوفية).
ووحدة الشهود والفناء في الله هو نفسه وحدة الوجود ولا فرق بينهما قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل في أثناء رده على من ذكر هذه المصطلحات وقررها :  (أرأيت إلى من صنّمته الصوفية باللقب الفخم الضخم ، لتفتن به المسلمين عن هدى الله؟! أرأيت إلى الغزالي يدين بوحدة الوجود أو الشهود؟! سمّها بما شئت ، فعند الكفر تلتقي الأسطورتان ، لا تقل إن وحدة الوجود أنشودة من البداية ، ووحدة الشهود أغرودة عند النهاية فلكلتاهما بدعة صوفية بيد أنها غايرت بين الاسمين ، وخالفت بين اللونين ، ولكن البصر البصير لا يخدعه اسم الشهد سمى به السم الناقع !! فكلتاهما زعاف الرقطاء ، غير أن واحدة منهما في كأس من زجاج ، والأخرى في كأس من ذهب !! ).
وقد سبق ذكر أن أول من أشاع فكرة الفناء بهذا المعنى هو أبوزيد البسطامي(6) بمعنى الاتحاد بذات الله ، وهذه النظرية الخبيثة هي نظرية هندية الجذور وخلاصة هذه النظرية أن المريد بمجموع المراقبة والاستغراق يصل إلى مرتبة يصبح فيها المراقِب والمراقَب واحداً. والعياذ بالله تعالى؟! (7)
وقد أكّد البرعي في ديوان (رياض الجنة) أنه لا فرق بين الفناء الذي ذكره ووحدة الوجود ، فقد قال في قصيدة ( أجل الفؤاد ) :
نالوا بجمع الجمع سر السر في    غيب الفناء ووحدة التوحيد
فانظر إليه قد جمع بين غيب الفناء ووحدة التوحيد وهي عندهم وحدة الوجود ، كما أنه يؤكد على معنى الفناء بما ذكر ، إذ يقول في قصيدة (المتحابون في الله ) :
تاهوا بحب الله في غيب الفنا     وفنوا به وبغيره لم يشعروا
وتأمل قوله (وبغيره لم يشعروا) !!!
وإذا كنت قد وقفت على المقصود بعقيدة الفناء أو وحدة الشهود فهلم معي إلى ما سطّره البرعي عنها ، فقد ادّعى هذا الفناء لأشخاص بأعيانهم كما أنه ادّعاه لمن أتوا بأفعال معينة ، فقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فنا في ربه فقال في قصيدة بعنوان (ضماني ) :
أنت النبي المعظم في الله ديمة (فاني)    من ذكرو مابَوَنِّى من مدحه ماكفاني
كما ادّعى أن شيخ طريقته محمد عبد الكريم السماني ممن فنوا في الله تعالى ، فقد قال في قصيدة (الشيخ محمد عبد الكريم السماني المدني ) :
بالفقر متصفاً بفاء (فنائه)      وبقاف قوةِ ظاهرٍ وجنان
كما ادّعى له ذلك في موضع آخر ، كما في قصيدة (الشيخ أحمد الطيب البشير) :
لم يخش في مولاه لومة لائم      وله (فناء) في الإله مؤكد
كما جعل عبد الرحيم البرعي هذا الفناء لوالده وقيع الله، إذ يقول في قصيدة ( الفقراء عيال الله):
وله مجاهدة وصبر دائم      وله (فناء) في شهود الله
وفي نفس القصيدة نسب هذا الفناء إلى (الفقراء) ويقصد بهم المتصوفة فقال عن الواحد فيهم وهو (الفقير):
فاء الفقير (فناؤه) في ربه      والقاف قوة قلبه بالله 
وقد جعل هذا الفناء من أبرز ما يوصف به المتحابون في الله ، إذ قال في القصيدة التي عنوانها ( المتحابون في الله ):
تاهو بحب الله في غيب (الفنا)     وفنوا به وبغيره لم يشعروا
فإذا وقفت على حقيقة هذه العقيدة الباطلة ومناقضتها لتوحيد الله تعالى ومدلوله ، فإني أدع لك أخي الموفق الحكم على من يعتقدها ويدعو إليها.
قال شيخ الإسلام : (الفناء عن وجود السوى ، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة ، كصاحب الفصوص (ويقصد به ابن عربي الطائي الذي تقدم ذكره في حلقة عقيدة وحدة الوجود في ديوان رياض الجنة) وأتباعه الذين يقولون : وجود الخالق ، هو وجود المخلوق ، وما ثَمَّ غير ولا سوى في نفس الأمر.
والمؤسف أن كثيراً من الناس يقرأون مثل هذه المصطلحات ويرددونها وربما حفظوها في مثل هذه الأشعار ولا يعلمون معناها ولا مدلولها ولا لوازمها ، وقد تكون كما تبين تناقض الحق الذي يجب اعتقاده .. فالرب رب والعبد عبد ، والخالق جل في علاه بائن من خلقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهذه العقيدة من أخطر أنواع الافتراء على الله تعالى ، فالخالق البارئ واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته ، فكيف تتبدل الصفات البشرية بالصفات الإلهية ؟! وإن هذا من الدعاوى التي ادعاها المتصوفة ليأخذوا حق الله تعالى الذي انفرد به وينسبونه لأنفسهم ، فوجب الحذر والتحذير ، وأرحّب وأسعدُ بأي تعقيب أو مناقشة علمية موضوعية في هذه القضايا بما يثري المناقشة العلمية ، والله الهادي سواء السبيل.