الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

إلى وسائل الإعلام : (حضرنا ولم نجدكم) (1 /2)

هاتان حلقتان من خلالهما نبحث (ونفتّش) عن الإعلام في بلادنا !! أين هو ؟! وأين موقعه ؟! من خلال رسالة الإعلام ومهامه، حضرنا لنجد الإعلام ، لكن للأسف تبيّن لنا من أول وهلة كأننا لم نجده !! انتظرنا طويلاً ولا زلنا ننتظر ، لكن لم يأتِ !! فهل سيأتي أم سيستمر الغياب ؟!

ولسائل أن يسأل : ماذا نعني بأننا (لم نجده) ..؟!! بمعنى هلّا وضّحت؟ ، فأجيب بأن التفصيل سيكون بمشيئة الله تعالى في الحلقة الثانية ، فإن هذه حلقة تأسيس ببيان الموضع الذي يجب أن يكون فيه ..
ومن المهم تأكيد دور الإعلام في بلد مثل بلدنا هذا ، سكانه مسلمون ، باستثناء 2أو 3 % من غير المسلمين .. فإن دور الإعلام في بلدنا هذا القيام بالواجب الديني المنوط به ، فإن كل الشرائع والأديان جاءت بالمحافظة على ضرورات خمس هي : الدين والنفس والعقل والعرض أو النسل والمال .. وترتيب هذه الضرورات الخمس على وفق سردي لها ، فإن أعظم ما يجب المحافظة عليه من هذه الضرورات الخمس هو (الدين) ويأتي (المال) في الترتيب الخامس !! وبتأمل لهذه الجزئية فإنك تدرك حجم التركيز في كثير من وسائل الإعلام على ضرورة دون أخرى ! وإلغاء الاهتمام ببعض الضرورات, بل ربما تنفير وتحذير ممن يظهر العناية بها ! وربما محاربة لها !! وقد انقلبت المفاهيم حتى أصبح عند الكثيرين أن من يهمل ما حقه التقديم ويهتم بما من حقه التأخير وإن كان مهماً يكون هو الأجدر وما يكتب هو الأولى بالقراءة!!
هذه الضرورات الخمس اعتنى بها علماء المسلمين بياناً وتوضيحاً وترتيباً وذكروا سبل المحافظة عليها في جانب الوجود والعدم، ووضحوا العام منها والخاص وشرحوا المقاصد الأصلية في هذه المصالح الضرورية والمقاصد التابعة، وجمع شتات هذا الباب العظيم الإمام الشاطبي المالكي في كتابه العظيم (الموافقات في مقاصد الشريعة) وقد سبقه ببعض البيان في هذا الجانب المهم في التشريع العز بن عبد السلام وشهاب الدين القرافي وقبلهما أبو حامد الغزالي وشيخه أبو المعالي الجويني .. وشرح كثيراً من تفاصيل هذا الباب العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أهل العلم.
وإذا كانت هذه الضرورات الخمس قد أتت كل الشرائع بها فإن على أهل الإعلام أن يعطوها حقها من العناية، في مرحلة إعداد الإعلاميين، وفي مراحل تدريبهم، وفي مخاطبة الإعلام للجمهور، وإذا كانت المحافظة على الدين هي أعظم ضرورة في هذه الحياة فإنه يجب أن يكون تقييم الإعلام ووسائله بمدى قيامهم بهذه المهمة .. وتكون ثوابت الدين وعقيدة الإسلام ومنهج القرآن الكريم وتعظيم الشعائر الإسلامية هي الخط الأحمر الذي يجب على أي إعلامي يعمل بالإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة ألا يتجاوزه .. فضلاً عن أن يدعو لتجاوزه !! وهذه المهمة النبيلة في خدمة الدين هي مهمة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبهذا بعث سيدهم وخاتمهم وإمامهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ..وتخرّج في مدرسة النبي عليه الصلاة والسلام دعاة خير ومشاعل نور وهداية أولئك الصحابة الأطهار الأخيار الذين نشروا الفضائل وسعدت البشرية بما نشروه وبما كانوا عليه من صدق وأقوال تصدقها الأفعال.
والإسلام في بلادنا وفي كثير من بلاد المسلمين يستهدف بوسائل شتى ويواجه حرباً بعضها معلن غير خفي، وبعضها غير معلن من جمعيات كفرية ودول غربية وغيرها تريد أن يترك المسلمون دينهم، وغايتهم (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) وهمهم : (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .. وفي هذه الحال وجب على كل فرد إعلامي وكل مؤسسة إعلامية عامة أم خاصة مقروءة أو مسموعة أو مرئية أن تعي دورها في الإسهام في المحافظة على تثبيت الثوابت، وإظهار محاسن الدين، وإبراز مظاهر الإعجاز العلمي والبياني والتشريعي في هذا الدين الخاتم .. وتوضيح الوجه الصحيح للتدين، وإظهار القدوات الحقيقية للمسلمين وعلى رأسهم الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين الراسخين في العلم والصالحين من هذه الأمة رجالاً ونساءَ شيباً وشباباً .. والعناية بسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ..
هذا هو الدور المنشود من الإعلام، وهو شرف عظيم لمن يوفق له، في الكتابة الصحافية أو في تقديم البرامج النافعة المسموعة أو المرئية أو المقروءة .. وأجره كبير فإن الدال على الخير له مثل أجر فاعله .. وكم من كلمة نشرت عبر هذه الوسائل كان فيها الخير وترتب عليها من الأعمال المباركة ما لا يحصيه إلا الله تعالى ..
في مثل هذه الحال وفي بلاد كبلادنا وجد فيها من الأخطاء والمنكرات الكثير وجب أن يعي أهل الإعلام دورهم .. فانحراف عقدي كبير تشهده المدن والقرى وانتشار مكثّف للدجالين والمشعوذين والسحرة ومدعي الكهانة والعرافة .. وأفراد من مواطني هذا البلد يتعرضون للتنصير ويقتنع بعضهم به تحت ظروف متنوعة ومختلفة، وشباب يقعون فرائس لدعوات الشرك والقبورية والتكفير والغلو والتطرف والإلحاد والطعن في السنة النبوية والصحابة الكرام ورواة السنة وكتبها .. وأناس باتت الخيانة ديدنهم وامتلأت السجون بفوضى الغش بالشيكات وهوامير الكسر الربوي .. وشباب يغرق في أهواء يساعدهم عليها التقنيات الحديثة وسهولة تصفح المواقع الإجرامية والإباحية على شبكة الانترنت .. وبيوت تهدم الآن في فوضى اجتماعية عارمة من أبرز مظاهرها العجلة والطيش في الطلاق وتشتيت الأسر، وعطالة تزداد في الانتشار، وضعف في إدراك كثير من المفاهيم، وحاجة ملحة للتوعية والتوجيه، والجوانب الاقتصادية والتجارية والصحية والاجتماعية والبيئية وغيرها تنتظر دور الإعلام ليسهم فيها ..وغير ذلك .. وقل في دعوات العصبية والعنصرية التي مزقت وتمزق في هذه البلاد مثل ذلك .. فهذا وغيره مجال الإعلام ويجب عليه أن يعي دوره في المحافظة على الفضائل وتثبيتها، والتحذير من الرذائل والموبقات وأداء ما يجب تجاهها وتجاه مروجيها ..
إن هذه الأمراض التي تهدد المجتمع ، تؤكد على أهمية التصدي لها ومعالجتها وتحليل أسباب انتشارها .. هذا هو دور الإعلام .. وهنا نبحث عن الإعلام و(نفتّش عنه) ، فهل سنجده ؟! وفي المقابل فإن الإعلامي الذي يفرّط في ذلك وينشر الباطل أو يساعد في نشره هو من معاول الهدم في المجتمع بل ربما يكون هو أقوى المعاول لخطورته وسهولة وصول ما ينشره إلى الناس .. ولا أريد أن أضرب أمثلة بما ينشر في وسائل الإعلام مما يزيد أمراض المجتمع ومهدداته .. فالمجال لا يناسب ذلك ، ولكل مقام مقال .. ولكنها ذكرى عامة .. أؤكد بها أن على كل من ينشر أو يسهم في نشر كلمة عبر وسيلة إعلامية أن يتقي الله في نفسه وفي دينه وفي مجتمعه وفي وطنه، وليعلم أنه مسؤول عن كل كلمة ينشرها ..
من من الإعلاميين من لا يحفظ قول القائل :
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقي الله ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه.
وقبل ذلك آيات الذكر الحكيم (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) (أحصاه الله ونسوه) (وكل شيء أحصيناه كتاباً) (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ترجف منها قلوب المؤمنين .. فالكلمة التي يتفوّه بها الشخص أمام شخص واحد من الباطل يخاف من مغبتها وضررها الصالحون، فكيف بالكلمة تنشر في الآفاق؟! وكم من شخص مات وغابت جثته ولحمه وعظمه داخل الأرض إلا أنه يأتيه من الذنوب والسيئات في قبره كل يوم بسبب ما بثه ونشره في الآفاق. نسأل الله السلامة والعافية.
الهم كبير والمسؤولية عظيمة ، نفتش ونبحث عن الإعلام حيث نريد ويريد المصلحون في المجتمع أن يجدوه، ولكن هل نجده؟!
نلتقي في الحلقة التالية بمشيئة الله تعالى ..