الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

العمل الخيري السعودي في السودان (1)

عملاً بالتوجيه النبوي الكريم أنه لا يشكر الله تعالى من لا يشكر الناس ، أردت أن أشير إشارات موجزة في عدد من المقالات ألقي من خلالها الضوء على أبرز إسهامات المملكة العربية السعودية في العمل الخيري في بلدنا السودان ،

شكراً وعرفاناً وشهادة بالمعروف ووفاءً بالجميل ، وإن الوفاء بالجميل لهو خلق نبيل حث عليه الشرع الكريم ، وهو هدي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهو أعظم الناس وفاءً ، وفي صحيح السنة أخبارٌ كثيرة تشهد بوفائه يأتي في مقدمتها وفاؤه لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، في حياتها وبعد مماتها ، حتى غارت منها بعض زوجاته أمهاتنا رضي الله عنهن، ووفاؤه للأنصار رضي الله عنهم حتى قال لهم : ( لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ ...) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار).
وتربى صحابته الكرام على خلق الوفاء ، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة، فهذا كعب بن مالك رضي الله عنه كما يخبر عنه ابنه محمد كان في كل يوم جمعة - وهو يقوده لصلاة الجمعة بعد أن كفّ بصره - يترضى ويترحم ويدعو لأسعد بن زرارة رضي الله عنه وفاءً له بالجميل، لأنه أوّل من صلى وخطب بهم الجمعة بالمدينة النبوية قبل الهجرة المباركة.. 
إن أعمال الخير التي تقوم بها المملكة العربية السعودية انطلاقاً من مبادئها ومكانتها بين المسلمين ورعايتها لمقدساتهم كثيرة جداً، وإن من أبرز أعمال الخير التي تقوم بها المملكة العربية السعودية تجاه المسلمين عموماً ومنها بلادنا السودان برنامج (المنح الدراسية) ، وذلك باستقدام الطلاب إلى بلاد الحرمين، وتعليمهم وتأمين النفقة الكاملة عليهم, بتوفير تذاكر السفر السنوية وصرف المكافاءات الشهرية والبدلات والمراجع وتهيئة السكن الجامعي، وتوفير البيئة التعليمية المناسبة، للدراسة في المعاهد والكليات والدراسات العليا، ومنذ أكثر من ستين عاماً والمملكة العربية السعودية تستقبل الطلاب من بلادنا عبر عدد من الجامعات التي أنشئت وهيئت لتحتضن عبر فرص المنح الدراسية أبناء المسلمين من كل بلاد العالم وذلك في جامعة أم القرى بمكة المكرمة والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود بالرياض، وفي الفترة الأخيرة لم يعد تخصيص المنح الخارجية لأبناء المسلمين للدراسة في المملكة العربية السعودية محصوراً في تلك الجامعات، وإنما فتحت جميع الجامعات بالمملكة أبوابها لأبناء المسلمين للدراسة بها ، وتوسّعت فرص القبول لتشمل تخصصات علمية ونظرية أخرى غير التخصصات الشرعية. كما قد ساهم افتتاح كليتين بالحرم المكي الشريف والمسجد النبوي الشريف في إتاحة فرص كثيرة للراغبين في تعلم العلم الشرعي بصورة نظامية من داخل الحرمين الشريفين.
لقد درس عدد كبير من أبناء السودان بجامعات المملكة، وقد تميّز الطلاب السودانيون – عموماً - بنبوغهم العلمي وارتفاع مستوى التحصيل لديهم ، وقد كان من ثمرة ذلك أن تخرج من الجامعات السعودية من بلادنا عددٌ من الدعاة المميزين والعلماء المتقنين، وتقلّد بعضهم مواقع قيادية رفيعة في العمل الخيري والدعوي والعلمي والتعليمي والإداري، وتقلّد بعضهم مناصب عالية في إدارات الجامعات والكليات والمعاهد العليا، وظهر الأثر الكبير لعدد منهم في تعليم الناس ودعوتهم وتحبيبهم في الدين على المنهج السليم منهج أهل السنة والجماعة القائم على الوسطية والاعتدال بلا إفراط ولا تفريط، والقائم على نبذ التطرف والغلو والعنف، وقد كان لعدد من خريجي الجامعات السعودية ببلادنا الأثر الواضح - بتوفيق الله تعالى – في كشف أباطيل جماعات التكفير ودعاة الغلو والتطرف ودعاة الخروج على الحكام ومن يزينون الثورات والاعتصامات، كما كان لهم الدور الواضح في نشر السنة والتعريف بها وتحبيب الناس فيها ومحاربة العادات المخالفة الضارة والبدع والمحدثات، وقد أثروا الإثراء الموفّق في قاعات العلم بالجامعات والمعاهد بنشر العلم وتجويده وتشجيع البحث العلمي المميز والتدريب عليه، وما زالت جهود خريجي الجامعات السعودية في بلادنا ثمارها طيبة (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ، فتجد خريجاً يعلّم الناس في أقصى الغرب في زالنجي والفاشر والضعين وآخر في سنار وفي أقصى الشرق في بورتسودان وسنكات، وفي قرى حلفا الجديدة وضواحي القضارف وأرض المحس والسكوت وبلاد الدناقلة وديار الشايقية ونهر النيل والنيل الأبيض والأزرق وكردفان والجزيرة بقراها الممتدة المتناثرة وكافة ولايات السودان وبالعاصمة منهم العدد الكثير، تعرفهم الجامعات بقاعاتها وإداراتها وعماداتها ومكاتبها وتحتضنهم منابر الجمعة ، وتجدهم في المدارس، وتجدهم بين الباحثين في مجمع الفقه الإسلامي ومركز التحصين الفكري وهيئة علماء السودان وتجدهم في اللجان المتخصصة في المجلس الوطني.
وإن عدداً من خريجي الجامعات السعودية ببلادنا استمر عطاء المملكة لهم من خلال كفالتهم للتدريس والتعليم بعد تخرجهم عبر مكتب الملحقية الدينية، الذي يعتني بتوزيع الدعاة والمدرسين على الولايات ، ويضع لهم برنامجاً للإشراف عليهم، وهذا المكتب عطاؤه كبير ومستمر في دعم الدعاة وتيسير مهامهم في تعليم الناس لعقود من الزمان.
ويدرس حالياً بالجامعات السعودية من بلدنا السودان أعداد كثيرة جداً، بل قد تضاعفت أعداد الطلاب المقبولين من السودان في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل الله تعالى ثم لما تشهده العلاقات الوطيدة بين البلدين الشقيقين من زيادة في قوة الصلات الأخوية وتعضيدها، والرغبة الأكيدة من البلدين في بلوغها أعلى الدرجات. فالشكر الجزيل لبلاد الحرمين الشريفين على مضاعفة الدعم لبلادنا في هذا الجانب المهم بمضاعفة أعداد القبول.
إن المملكة العربية السعودية تقوم بهذا العمل الكبير الكريم الذي له آثاره الكبيرة الواضحة وتبذل فيه أموالاً كبيرة وتخصّص له من أبنائها المدرسين والموظفين ليقوموا بأداء مهامهم تجاه هؤلاء الطلاب، الذين يعتبرون أن الفوز بمقعد دراسي في الجامعات السعودية هو من أهم أمنياتهم في الحياة الدنيا – إن لم يكن أهمها - ، وإن كاتب هذه الأسطر هو واحد من هؤلاء الطلاب، وقد ذكرتُ عدة مرات أن أسعد خبر تلقيته في حياتي حتى الآن هو خبر قبولي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت وقتها أدرس بالسنة الأولى بجامعة الخرطوم ، فلا أعلم أنني فرحت في يوم بشيء أعظم مما كانت عليه فرحتي في ذلك اليوم وأحمد الله تعالى على التوفيق. وهذه المشاعر رأيتها فيمن درسوا معي من الإخوة السودانيين وفي من التقيت بهم ممن تخرجوا قبلي أو درسوا بعدي.
وجامعتي التي درست بها وهي الجامعة الإسلامية خرّجت وما زالت تخرّج الطلاب السودانيين، في مرحلة البكالريوس والماجستير والدكتوراه، وهي تحتضن طلاباً مما يقرب من مائتي دولة في العالم، وهي الجامعة التي أسسها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله وقدّمها هدية للعالم الإسلامي، وكان أول مدير لها هو الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله مفتي المملكة العربية السعودية الأسبق، وخلفه على إدارة الجامعة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله مفتي المملكة العربية السابق، وقد تم افتتاحها قبل ثمانية وخمسين عاما وخرّجت حتى الآن حوالي ثمانين ألف طالب، يمثّلون حوالي مائتي دولة بالعالم ، لهم الأثر الطيب في بلدانهم، ومنهم عدد كبير يشاركون في أعمال جليلة داخل المملكة العربية السعودية مثل مكاتب توعية الجاليات التي بلغ عدد مكاتبها 700 مكتب في أنحاء المملكة، ويشاركون في أعمال الترجمة في العمرة والحج والتأليف والنشر.
وبالجامعة الإسلامية عمادة خاصة بشؤون الخريجين للعناية بهم والتواصل معهم وإبراز جهودهم وتشجيعهم ومساعدتهم في أداء رسالتهم في نشر سماحة الإسلام وتحبيب الناس فيه، وبها كرسي بحثي خصّص أيضاً لشؤون الخريجين له برامج مميزة في رعاية الخريجين.
وفي الحلقة التالية أواصل إن شاء الله.

الأعمدة

خالد كسلا

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

بابكر سلك

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

إسحق فضل الله

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018