الأربعاء، 21 شباط/فبراير 2018

board

لماذا لم توقّع (أمريكا) على اتفاقية (سيداو) ؟!

أبدأ بعرض موجز تاريخي للمؤتمرات التي عقدت بشأن المرأة:
> بدأ اهتمام هيئة الأمم المتحدة بالمرأة منذ عام (1365 هـ - 1946م ) – حين أنشأت لجنة مركز المرأة - .وقد أكد دستور هيئة الأمم المتحدة وميثاقها الذي أبرم في مدينة (سان فرانسيسكو) بتاريخ 16/7/ 1364هـ- 26/6/ 1945م – على مبدأ عدم التفرقة بين الناس بسبب الجنس،

فجعل للرجال والنساء حقوقاً متساوية, كما ورد في نصوص موادها (الأولى) و(الثامنة).
> وقد ركزت الأمم المتحدة في اتفاقياتها وصكوكها ومؤتمراتها على قضية المساواة بين المرأة والرجل بـ (المفهوم الغربي) (والمساواة في المفهوم الغربي تقوم على التسوية المطلقة بين الذكر والأنثى وظيفياً واجتماعياً وفي كل مناحي الحياة , بالمساواة بينهما في الحقوق والواجبات وعدم التفرقة بين الجنسين بسبب الجنس، فالمساواة سبيل للدعوة لما تقوم عليه المفاهيم الغربية من التحرر لكلا الجنسين من قيود أي دين أو عرف في أية جهة أخرى غير الغرب) . إذ يعدّونها قيمة عليا من القيم التي قامت عليها الحضارة الغربية والتي أصبحت من القضايا المسلَّمة التي لا يحبذ النقاش حولها، واستخدمت قضية المساواة هذه في تمرير كثير من القضايا التي تنادي بها الأمم المتحدة لعولمة النموذج الغربي للمرأة في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية .... الخ .
وقد أكدت المادة (الثامنة) في ميثاق الأمم المتحدة المذكور على هذه المفاهيم، حيث جاء فيها : (لا تفرض الأمم المتحدة قيوداً تحد بها جواز اختيار الرجال والنساء للاشتراك بأية صفة وعلى وجه المساواة في فروعها الرئيسة والثانوية) .
> وفي عام 1367 هـ - 1948م صدر ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) شاملاً كافة حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن يتمتع بها كل فرد رجلاً كان أو امرأة. > وفي عام 1372 هـ - 1952م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة (الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة) وذلك بناءً على توصية اللجنة الخاصة بمركز المرأة .
> وفي عام 1386هـ - 1966م أصدرت الأمم المتحدة ( العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ) المتفق عليه الذي يتكون من إحدى وثلاثين مادة موزعة على خمسة أجزاء.
> و في العام ذاته 1386هـ - 1966م صدر كذلك عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ). > وفي عام 1387هــ - 1967م صدر ( الإعلان الخاص بالقضاء على التمييز ضد المرأة ), وقد أقرته هيئة الأمم المتحدة مع توصية ببذل أقصى الجهد لتنفيذ المبادئ الواردة فيه للحكومات والمنظمات غير الحكومية والأفراد، الذي ينص على حق المرأة الدستوري في التصويت والمساواة مع الرجل أمام القانون، وعلى حقوقها في الزواج والتعليم وميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية مع الرجل سواء بسواء . وهذا الإعلان لم يكن إلزامياً، لهذا لم يحظى بالتجاوب من قبل معظم الدول .
> وفي عام 1388هــ - 1968م عُقد في طهران مؤتمر دولي لحقوق الإنسان تحت إشراف الأمم المتحدة وسُمي إعلان طهران 1968م.
ثم بعد ذلك بدأت الأمم المتحدة في عقد مؤتمراتها الخاصة بالمرأة :
> في عام 1395هـ - 1975م عُقد أول مؤتمر عالمي خاص بالمرأة وهو مؤتمر مكسيكو لعقد الأمم المتحدة للمرأة : المساواة والتنمية والسلم، واعتبر ذلك العام بوصفهم : ( العام العالمي للمرأة )، واعتمد في ذلك المؤتمر أول خطة عالمية متعلقة بوضع المرأة على المستوى الحكومي وغير الحكومي في المجالات السياسية والاجتماعية والتدريب والعمل على حماية الأسرة.
كما اعتمدت خطة العمل العالمية لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم للأعوام (1396– 1405هـــــ 1976 – 1985م ).
> وفي عام 1399هــ - 1979م عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمراً تحت شعار : (القضاء على كافة أنواع التمييز ضد المرأة) وخرج المؤتمرون باتفاقية تتضمن (ثلاثين) مادة وردت في ستة أجزاء للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي اشتهرت باختصار حروفها بــ (سيداو (CEDAW اختصاراً لكلمات:(Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women) ، وجاءت هذه الاتفاقية لأول مرة بصيغة (ملزمة) قانونياً للدول التي توافق عليها, إما بتصديقها أو الانضمام إليها, وقد بلغ عدد الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية (186) دولة.
ولم توقع أمريكا التي يوجد فيها مقر الأمم المتحدة، بل رفضت التوقيع عليها، وهذا يعني أنه ليس كل ما تتبناه الدول الغربية وتعمل جاهدة على نشره في دول العالم تطبقه على نفسها، فكان الأولى بها – وهي تحتضن الأمم المتحدة - أن تكون قدوة وأسوة يحتذى بها لما تريد الأمم المتحدة نشره – بل فرضه – على بقية الدول، وهذا أنموذج يفاد منه في كشف دعوات التغريب وبيان حقيقتها وأهدافها لكن هل يعقل ذلك (السيداويون) ؟! ، كما لم توقّع عليها دول أخرى، وإن بعض الدول الإسلامية التي وقعت أبدت تحفظات على بعض البنود بناءً على مخالفة تلك البنود للشريعة الإسلامية.
> في عام 1400هـ - 1980م عقدت الأمم المتحدة (المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة : المساواة والتنمية والسلم) وهو المؤتمر الثاني الخاص بالمرأة وذلك لاستعراض وتقويم التقدم المحرز في تنفيذ توصيات المؤتمر العالمي الأول للسنة الدولية للمرأة والذي عقد عام 1395 هــ - 1975م في المكسيك ولتعديل البرامج المتعلقة بالنصف الثاني من العقد الأممي للمرأة مع التركيز على الموضوع الفرعي للمؤتمر : العمالة والصحة والتعليم. > في عام 1405 هـ - 1985 م عقد ( المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة المساواة والتنمية والسلم ) في نيروبي بكينيا – المؤتمر الثالث الخاص بالمرأة – الذي عرف باسم ( استراتيجيات نيروبي المرتقبة للنهوض بالمرأة ) وذلك من عام 1406 – 1420 هـــــــــ 1986 – 2000م.
> في عام 1416 هـ - 1995 م عقدت الأمم المتحدة ( المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة ) في بكين بالصين، وقد دعت فيه إلى مضاعفة الجهود والإجراءات الرامية إلى تحقيق أهداف استراتيجيات نيروبي التطلعية للنهوض بالمرأة بنهاية القرن الحالي.
التعريف باتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة وأبرز الملحوظات الإجمالية عليها :
اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) هي اتفاقية صدرت عن الأمم المتحدة - كما تقدم بيانه - عام1399هـ - 1979م وأخذت الصفة الرسمية والإلزامية لمن وقَّع عليها، وأصبحت المرجعية والأساس لكل الاتفاقيات والمؤتمرات الخاصة بالمرأة التي قامت بعدها.
ويمكن وضع أبرز الملحوظات الإجمالية على الاتفاقية في ما يلي :
> المساواة بين الرجل والمرأة هو الأساس الذي قامت عليه الاتفاقية واستخدمت عبارة (التمييز ضد المرأة). فاستخدمت لفظ (التمييز) ولم تستخدم لفظ (الظلم) .
> تدعو الاتفاقية لإبطال كافة النُظُم والقوانين والأعراف المعمول بها في العالم في قضايا المرأة ليحل محلها قوانين دولية هي النموذج الذي يتلاءم مع الحياة في (الغرب).
> ما طرحته الاتفاقية من حقوق وواجبات غلب عليه النظرة (الغربية) التي تختلف في الإجمال والتفصيل عمَّا هو قائم من أنظمة تشريعية وأعراف في كثير من جهات العالم. والمفاهيم التي دعت إليها الاتفاقية تمثل جوهر (الحياة الغربية) ونظرتها للإنسان والحياة والكون.
> ركزت الاتفاقية على (حقوق) المرأة إلا أنها لم تتحدث عن (واجباتها)، فالحقوق والواجبات في الاتفاقية ليس بينها تناسب.
> تنظر الاتفاقية للمرأة باعتبارها (فرداً) مستقلاً وليس (عضواً في أسرة) فيها المرأة والرجل والطفل. وهذه النظرة (الفردية) هي النمط السائد في الحياة الغربية، وقد شُحِنَت الاتفاقية بجو العداء بين الرجل والمرأة.
> (تناقضت) الاتفاقية التي خرجت من رحم (الأمم المتحدة) تناقضاً مُخجِلاً، وتعارضت مع ميثاق الأمم المتحدة الذي نصّ على احترام كافة نظم الاعتقاد الديني في العالم، كما أنها تتناقض مع المواثيق الدولية التي نصّت على احترام التنوع الديني والثقافي. فكيف ينص ميثاق الأمم المتحدة على احترام كافة نظم الاعتقاد الديني في العالم ثم تصدر الأمم المتحدة اتفاقية تتعارض مع ميثاقها وترغب في فرض الاتفاقية المتعارضة والمناقضة لميثاقها على كل دول العالم؟!
ومن الطبيعي أن تكون للاتفاقية جوانب إيجابية كغيرها فالشر المحض قلَّ أن يوجد، فرغم مخالفة هذه الاتفاقية للشريعة الإسلامية ومقاصدها إلا أنها تضمنت في بعض جوانبها أموراً حسنة، ومن المؤكد أن أي أمر حسن دعت إليه الاتفاقية فإن الإسلام قد سبق إليه، ولما كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما حرّمهما الله سبحانه وتعالى وكانت قاعدة درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح قاعدة مجمع عليها بين المسلمين (علماء وعامة).
وإن مسؤولية الدولة ومن يمثلها في الجهات العدلية مسؤولية عظيمة جداً في المحافظة على الموقف المعروف في بلادنا من هذه الاتفاقية وأهدافها (الخبيثة).. وهذا هو الظن بولاة أمرنا ونوابهم، والموفق من وفّقه الله .. وأظن أن أي حديث عن توقيع السودان على اتفاقية سيداو ومحاولة جرّه إلى هذه الهوّة يمكن أن يقابل بسؤال : (لماذا لم توقّع أمريكا وهي تحتضن الأمم المتحدة على هذه الاتفاقية ؟!)