الخميس، 24 أيار 2018

board

قاسم (الجلاَّد)(1)

لم يظهر لعمود (الحق الواضح) تعليق على الحادثة التي وقعت قبل أكثر من أسبوعين وحظيت باهتمام كبير من المجتمع السوداني، وعلّق عليها كثير من الناس وتناولتها بعض الصحف في تقاريرها وأعمدة بعض كتّابها، كما كانت الحادثة الغريبة التي انتشرت عبر مقاطع مرئية مائدة دسمة في برامج بعض القنوات،

فإن من منهجية هذا العمود في مسيرته خلال عشرة أعوام عدم التعجّل بالتعليق على بعض الأمور التي لا أرى ضرورة أو حاجة مُلحّة في الإسراع في التعليق عليها في وقتها، إذ بعض القضايا والحوادث تحتاج في التعليق المفيد والمثمر عليها ضم التعليقات وردود الأفعال بعدها إليها.
وأضع تعليقي على مقاطع الدكتور قاسم بدري (مدير جامعة الأحفاد للبنات) والتي ظهر فيها وهو يضرب الطالبات داخل سور الجامعة بأنواع من الضرب، مع حالة من الغضب والغليان والتوتّر في مظهر من مظاهر العنف والإرهاب والعقاب والإهانة وقل غير ذلك مما تظفر بوجوده في قواميس هذه المادة، فأضع تعليقي على هذه الحادثة في النقاط التالية:
أولاً: إن ما فعله الدكتور قاسم بدري من اعتداء بيده على بعض الطالبات عمل منكر (شرعاً) و (قانوناً) و(عرفاً)، فإن الشرع لا يجيز لمدير جامعة أن يضرب طالباً أو طالبة من طالبات الجامعة، فإن الشرع جعل العقوبة البدنية في (الحدود والتعزيرات) لولي الأمر، الحاكم ونوابه، إن المقرر في الشريعة الإسلامية أن تغيير المنكر إن كان باليد فهو إلى الحاكم أو من يأمره، أو للرجل في بيته لأهله ومن هم تحت ولايته، والعلماء في شرحهم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم، بيّنوا درجات إنكار المنكر وأكّدوا على أن التغيير باليد للقادر عليه كالحكام، والرجل مع ولده وزوجته، وإلا فالتغيير باللسان وهو للعلماء ومن في حكمهم من الدعاة وطلاب العلم ومن لديه علم بالمنكر، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان فينتقل إلى التغيير بالقلب.
فالتغيير باليد يكون في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والجهات المختصة بذلك في ما جعل إليها، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته في ما يستطيع. أما من لا يستطيع ذلك فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد في ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، ولئلا تصبح الأمور فوضى يغير كلٌ بيده، كما نص على ذلك أهل العلم. وحسبه أن ينكر بلسانه فيقول : هذا لا يجوز، وهذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة وبالأسلوب الحسن. فكان في مقدور قاسم بدري أن ينكر الصنيع الذي لم يعجبه لدى طالبات جامعته بالقول الحسن، فإن لم يستجبن له كان عليه أن يتصل بالجهات المختصة التي يعرفها ولا تخفى عليه، والتي ستكون في لحظات في مكان الحدث.
أما ما صنعه من الضرب بيده فهو من محرمات شريعة الإسلام، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للافتاء في الإجابة عن الفهم الصحيح لهذا الحديث ما يلي : (فهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة، قد خرجه مسلم رحمه الله في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان معناه : أن المؤمن وهكذا المؤمنة إذا رأيا المنكر وجب تغييره باليد مع الاستطاعة، كالأمير في حدود صلاحيته، وكذلك الهيئة في حدود صلاحيتها، وكالأب مع أهل بيته، والأخ مع أهل بيته، على حسب القدرة، كخمر يراق، آلة لهو تكسر وما أشبه ذلك، فإن لم يستطع فبلسانه، يقول: يا عبد الله هذا لا يجوز، يا أمة الله هذا لا يجوز، الواجب ترك هذا الشيء، احذروه، الله حرم عليكم هذا الشيء، وهكذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة، يقول الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، والمنكر ما نهى الله عنه ورسوله، والمعروف ما أمر الله به ورسوله، فإن لم يستطع المؤمن أو المؤمنة الإنكار باليد ولا باللسان فبالقلب، يكره في قلبه المنكر، يعلم الله من قلبه أنه يكرهه ويحب زواله، ولا يحضر أهله، لا يحضر معهم المجلس الذي فيه شرب الخمر، لا يحضر المكان الذي فيه آلات الملاهي، فيه الغيبة والنميمة لا يحضره، ما دام لا يستطيع الإنكار لا بيده ولا بلسانه، هذا هو معنى الحديث، وفق الله الجميع) انتهى .
وإن القانون المعمول به يجرّم فعل قاسم بدري المشين ولا يبيح له هذه (الهمجيّة) و (الرعونة) التي مارسها في إحدى مؤسسات التعليم العالي. وأما (العُرف) السوداني فهو قائم على احترام المرأة وتقديرها وإكرامها: أماً أو زوجة أو بنتاً أو طفلة أو رضيعة، معلّمة أو متعلّمة، هكذا هو شأن أهل السودان إجلال وإكرام للمرأة، وإن ما صنعه قاسم بدري في تلك الحركات (البهلوانية) إذ قفز يميناً وركض يساراً وهرول هناك وبطش تلك وضرب وجه تلك، وقبض تلك من ثيابها و(قبقبها) كما (يُقبقب) اللص وسط (الحراج) !! إن هذا الصنيع يرفضه عرف أهل السودان (علماء أو عواماً) (متعلمين أو غير متعلمين) .
ثانياً: من تلك المشاهد (الوحشية) التي قام بها الجلّاد د. قاسم بدري الاعتداء بضرب الوجه كما يسمى (الكف) !!
هل علم مدير جامعة الأحفاد (للبنات) أن الضرب في الوجه (الكف) من محرّمات شريعة الإسلام ؟! ومن الأحكام الثابتة في دين الهدى والرحمة الذي جاءت تشريعاته لإسعاد الخلق وإكرامه ؟! هل وصل إلى علمه أحاديث نبي الرحمة المبعوث رحمة للعالمين وهو ينهى أمته عن ضرب وجه (الإنسان) بل النهي عن ضرب وجه (الحيوان) ؟! هل أدرك مدير جامعة الأحفاد عناية شريعة الإسلام الخاتمة بحقوق الإنسان (رجلاً أو امرأة) وعنايتها بحقوق الحيوان؟! وأن جميع التشريعات جاءت لرعاية المصالح العاجلة والآجلة بتحقيقها ودرء المفاسد العاجلة والآجلة ودفعها؟! وهو ما لم يفهمه بنو علمان ومن لفّ لفهم من بني اليسار وبني ليبرال!!
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه) رواه البخاري . وفي رواية مسلم : (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه).
إن هذا حكم شرعي ثابت يحرّم على كل إنسان أباً كان أو أماً حاكماً أو محكوماً أن يضرب إنساناً في وجهه!! إكراماً للوجه، ولو كان في (مقاتلة) وقد حمي الوطيس!! فكيف بضرب الوجه في أسوار العلم وساحات التعليم، تضرب فيها وجوه القوارير؟! ما هذه (الهمجية) و (الرعونة) ؟! ما هذا الجنون أيها القائد لمؤسسة تدّعي أنها ترعى حقوق المرأة ؟! عن أية مرأة تتحدّث ؟! أو عن أية حقوق (تتشدّق) ؟! وقد انكشف بهذه التصرفات (البائسة) (المفلسة) أحد (الأقنعة) !!
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : (نهى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن الضرب في الوجه وعن الوسم فى الوجه).
قال الإمام النووي في شرح الحديث في شرح صحيح مسلم : (وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها، لكنه في الآدمي أشد، لأنه مجمع المحاسن، مع أنه لطيف لأنه يظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه، وربما آذى بعض الحواس ).
وقال الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري : (والأَمْرُ بالاتقاء عن الوَجْه ليس مخصوصاً بالإِنسان، بل ينبغي ألا يُضْرب وَجْهُ الفَرَس أيضاً).
أقول: نحمد الله على انتسابنا واعتزازنا وفخرنا بالانتساب إلى شريعة جاءت برعاية حقوق الإنسان وتكريمه، وجاءت برعاية حقوق الحيوان والبيئة وكل (العالمين) !!
وأواصل بمشيئة الله تعالى.