الخميس، 24 أيار 2018

board

مما يجهله (السيداويون)(4)

مما لا شك فيه أن الرجل أمام القضاء والمرأة كذلك سواسية في العقوبة والأحكام والمسؤولية، وأما (شهادة المرأة) فإن شهادتها في الشريعة الإسلامية تختلف حسب نوع القضايا التي تشهد فيها المرأة، وبالنظر في أنواع القضايا التي حكمت فيها الشريعة بشهادة المرأة الواحدة بمفردها ـ

ـ وهذا الحكم مما يجهله كثير من الناس ومنهم أقوامٌ أرادو االطعن في التشريع الرباني بهذا الحكم ــ ومقارنتها بالقضايا التي حكمت فيها الشريعة الإسلامية بأن تقوم شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل الواحد تتبين المقاصد الشرعية من ذلك، ويعلم المطلع على ذلك أن جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في بعض القضايا لا يعني إهانتها أو إهدار كرامتها أو لعدم تكريمها، فالنساء شقائق الرجال وقد تقدّم بيان ذلك في مقال تكريم المرأة في الإسلام.
فإن مما ثبت في الشرع في أحكامه أن شهادة النساء في الأمور التي لا يراها الرجال مما هو من اختصاص النساء مثل : (الرضاعة والعيوب المستورة والولادة وغيرها).تشهد فيها المرأة منفردة فتقبل شهادتها ..وقد اتفق العلماء على ذلك، وحكى الاتفاق على هذه المسألة الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم .قال ابن القيم : (فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف رجل وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها أو تلمسها بيدها أو تسمعها بأذنها .... كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب فإن مثل هذا لا ينسى في العادة....)
وهذا الحكم هو من الأحكام التي تخفى على (السيداويين) بل يخفى على كثير من المسلمين، وعلى كثير ممن يهاجمون الشريعة الإسلامية، سواء من أعدائها من أهل الأديان المحرّفة والملاحدة، أو من بعض المتأثرين بهم من المسلمين ممن تلقوا الشبهات وقبلوها دون تمحيص ودون سؤال أهل العلم الراسخين، وإن إثبات هذا الحكم لدليل قوي في الرد على من يتوهم أن اعتبار شهادة امرأتين شهادة رجل واحد في قضايا الأموال فيه ظلم للمرأة وانتقاص لها وعدم اعتراف بها، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة امرأة واحدة وفرّق بين رجل وامرأته بشهادة امرأة واحدة.
ولما كانت قضايا الجنايات والحدود والقصاص من القضايا التي يصعب على المرأة ضبطها بحكم عاطفتها وتأثرها وعدم ثبات ــ غالب النساء ــ أمام مشاهد الجنايات سواء بالنفس أو ما دون النفس كجنايات القتل والضرب بالأسلحة المتنوعة، فإن الحكم الفقهي ناسب في هذه الحال ألا تقبل شهادة النساء في ذلك، فإن طبيعة المرأة لا تتمكن بها من مشاهدة دقيقة لمثل هذا النوع من القضايا .. ولأن الحدود والجنايات قد ضيقت الشريعة الإسلامية في إثباتها، واشترطت لها من الشروط في الإثبات ما لم تشترطه في غيرها من القضايا، وحكمت أن الشبهات تدرأ بها الحدود.
فإن المرأة غالباً ما تكون قائمة بشؤون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها، وإذا حضرتها فقل أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها إذا لم تستطع الفرار تلك الساعة كان منها أن تغمض عينيها، وقد يغمى عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها؟! وهذا من الفوارق التي لم تراعها هذه الاتفاقية فإن الفوارق في الصفات والبنية والعاطفة والتأثر وغيرها لها دور في الرعاية في أحكام الشرع. ومن المسلّم به أن الحدود تدرأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة، شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها.
ويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها في ما ليس من شأنها أن تحضره غالباً، أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه غيرها ــ كما تقدم بيانه ــ أو ما تطلع عليه دون الرجال غالباً، فقد قررت أن شهادتها وحدها تقبل في إثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب غير الظاهرة لدى المرأة.
وأما في القضايا المالية فقد جعل الاسلام الشهادة التي تثبت الحقوق شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، وذلك في قوله تعالى في آية المداينة : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى).
ومن الواضح أن هذا التفاوت لا علاقة له بالكرامة ولا بالتكريم والإهانة، فما دامت المرأة إنساناً كالرجل، كريمة كالرجل، ذات أهلية كاملة لتحمل الالتزامات المالية كالرجل، لم يكن اشتراط الشرع اثنتين مع رجل واحد إلا لأمر خارج عن كرامة المرأة واعتبارها واحترامها، وإذا لاحظنا أن الإسلام ــ مع إباحته للمرأة التصرفات المالية ــ يعتبر رسالتها الاجتماعية هي التوفر على شؤون الأسرة، وهذا ما يقتضيها لزوم بيتها في غالب الأوقات ــ وخاصة أوقات البيع والشراء ــ أدركنا أن شهادة المرأة في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادراً، وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين مشاهدته، فإنها تمر به عابرة لا تلقي له بالاً، فإذا جاءت تشهد به كان أمام القاضي احتمال نسيانها أو خطئها ووهمها، فإذا شهدت امرأة أخرى بمثل ما تشهد به زال احتمال النسيان والخطأ، والحقوق لا بد من التثبت فيها، وعلى القاضي أن يبذل غاية جهده لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
هذا هو المقصد الشرعي الذي راعته الشريعة الإسلامية في هذا الحكم، وقد جاء النص عليه صراحة في الآية ذاتها حيث قال تعالى في تعليل اشتراط المرأتين بدلاً من الرجل الواحد: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) أي خشية أن تنسى أو تخطئ إحداهما فتذكرها الأخرى بالحق كما وقع. فليست المسألة إذاً مسألة إكرام وإهانة، وأهلية وعدمها، وإنما هي مسألة تثبُّت في الأحكام، واحتياط في القضاء بها.
وبهذا نعلم أنه لا معنى للشغب والتشنيع على الإسلام في هذه القضية، واتخاذها سلاحاً للادعاء بأنه انتقص المرأة، وأنه عاملها دون الرجل كرامة ومكانة وهو جهل كبير. فإن الإسلام قد أعلن إكرامها ومساواتها بالرجل في ذلك بنصوص صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض.
وبهذا يعلم الخلل الكبير في مفهوم كثيرين وكثيرات ممن لم يجمعوا كل الأحكام في مقام واحد ليتحدثوا بعلم وعدل وإنصاف، فإن الواقع المعلوم في خِلقة المرأة وتكوينها هو الذي راعته الشريعة الإسلامية في ذلك، فكان تشريعها يتناسب وخلقة المرأة وتكوينها، قال الله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
ولمّا خاطبت بعض الليبراليين والشيوعيين وغيرهم من المتحمسين لاتفاقية (سيداو) الخبيثة في بعض المنتديات وذكرت حكم الشرع في أن شهادة المرأة الواحدة يؤخذ بها في بعض القضايا فيقضى ويحكم بشهادتها منفردة أُخرِسوا إذ أدركوا أنه لم يبق لهم مجال لانتقاد الشرع واتهامه بانتقاص المرأة في أمر الشهادة .. ومثل هذه القضية قضايا كثيرة شبيهة يتحدث أناس فيها دون أن يعلموا ما ورد فيها في الشرع، فليجمعوا كل ما في الباب ليظهر لهم جمال الشرع وروعته ورعايته مصالح الخلق، فالخالق أعلم بما يصلح خلقه .. وهذه نصيحة لكل من يجهل في هذه القضايا أن يعلم قبل أن يتكلم.. وممن يدندنون في هذه القضية وأمثالها الصادق والترابي .. أسأل الله أن يردهم إلى الحق ويجعلوا ممن يقبلون النصوص الشرعية .. وهم في هذا العمر ..
قال العلامة المالكي الشاطبي : (ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد: وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذي نظمت به حين استنبطت ...).