الأحد، 22 نيسان/أبريل 2018

board

(مقاطع) القدح في العقيدة (2/2)

بين حين وآخر في الأشهر الماضية أجد في بريد الوارد بهاتفي مقطعاً صوتياً لتراجي مصطفى، بعض تلك المقاطع سمعته وأكثرها لم أسمعه، وربما أسمع ما يتبعه المرسل بتخصيص التأكيد لسماعه،

وكنت قبل سبع سنوات ولمدة ثلاث سنوات متتالية أكتب محاوراً ومناقشاً بصفة ثابتة بمنتدى سودانيز أون لاين إذ ناقشت في تلك الفترة في تلك الحوارات المفتوحة الكثير من ألوان الطيف السوداني منهم : (الملاحدة والنصارى والرافضة الشيعة والجمهوريين والشيوعيين والليبراليين والعلمانيين ..وغيرهم) ، ومن خلال وجودي في تلك الفترة بذلك المنتدى فقد اطلعت على بعض مشاركات تراجي مصطفى المكتوبة والتي كان تركيزها في المقام الأول على (المركز والهامش) !! ، وقد عرفت ما لديها في تلك الفترة أسأل الله لنا ولها الهداية والتوفيق، وبعد ظهورها في الفترة الأخيرة في الحوار الوطني نشرت تزامناً مع ذلك مقالين بهذه الصحيفة فيهما تلخيص لجوانب أردت إبرازها فيهما من خلال مواقفها ..
وفي المقاطع التي وصلتني في الفترة الأخيرة رأيت ارتفاع مقياس (الحدة) و(الانفعال) ولك أن تقول (التشنج) !! ، وهذا المقال ليس المقصود منه التحليل أو المناقشة المستفيضة أو التفصيلية من ناحية شرعية لبعض ما ورد في تلك المقاطع التي شرّقت (فيها) و (بها) صاحبتها وغرّبت، أسأل الله أن يلهمها رشدها ويعينها على نفسها.
وإنما المقصود هو تصحيح خطأين عقديين وقفت عليهما في مقطعين متداولين، لخطورة الكلام لأنه في التعرض لحق الله تعالى الخالق، وفيهما الانتقاص لجناب توحيده سبحانه وتعالى، والتصريح بعبارة فيها النيّل من ديننا !! وقد تعلّمنا في ديننا وقرأنا فيما تعلمناه في المدارس والجامعات وبين يدي العلماء في المساجد ومما ندرّسه لطلابنا أن العقيدة هي أولى وأوّل ما يجب العناية به تحقيقاً وتقريراً وتصحيحاً وتصويباً ..
قالت تراجي مصطفى في تسجيل صوتي متداول في خطاب موجّه لمن ترد عليه بانفعال وتوتّر بمعناه : (ناس دار فور ديل حا يطلعو دينكم)!!
قلت : ليتك انشغلتِ بمعرفة العقيدة الإسلامية وما يجب وما يحرم قبل أن تنشري حديثك المؤذي، فإن تعلّم أصول العقيدة من العلم الواجب على كل مسلم ومسلمة ..
إن ديننا وهو الدين الإسلامي لن (يطلع) ولن (يذهب) ولن (يزول) ولدينا نصوص شرعية بأن هذا الدين باقٍ وظاهر وسيبقى.
ولمعرفة حكم سب الدين وانتقاصه والنّيْل منه بهذه العبارة ومثيلاتها والتي تصدر أحياناً من بعض الشباب الجهال أو الغافلين أو التائهين، ولم نعهد أنها تصدر من النساء !! وفوق ذلك تُسجّل !! بل ويتم نشرها !! ويتم تداولها، فإنه حقاً زمان رقة الدين وهوانه في نفوس الكثيرين .
وقد نقلتُ في كتابي (أجوبة الشيخ ابن عثيمين عن أسئلة السودانيين) هذه الفتوى التي أجاب بها الشيخ رحمه الله تعالى على سائل من السودان حيث قال :
(إن لحكم فيمن سب الدين، الدين الإسلامي أنه يكفر، فإنَّ سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام، وكفر بالله عز وجل وبدينه، وقد حكى الله تعالى عن قوم استهزأوا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما كنا نخوض ونلعب، فبين الله عز وجل أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به، فقال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ٭ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ» فالاستهزاء بدين الله أو سب دين الله أو سب الله ورسوله أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة، ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه، لقول الله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم:". 
فإذا تاب الإنسان من أية ردة كانت توبة نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة فإن الله تعالى يقبل توبته. وشروط التوبة الخمسة هي: الإخلاص لله بتوبته، بألا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة أو خوفاً من المخلوق، أو رجاء لأمر يناله من الدنيا، فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله تعالى فيها. والشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يوجب عليه أن يتخلص منه. والأمر الثالث أو الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه، فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن أمكن، وإن كان ذنبه بفعل محرم أقلع عنه وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بمخلوقين فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها. الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها. والشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل. وفوات وقت القبول عام وخاص: أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها، فالتوبة بعده أي بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل، لقول الله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً». وأما الخاص فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع، لقول الله تعالى: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ».
أقول: إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها، ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره، فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب نقول له: إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذٍ أنت في سماء أم في أرض، وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه، فإن هذا الكلام لا حكم له، ولا يحكم عليك بالردة، لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد، وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ به، يقول الله تعــالى في الأيمان: «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ». ويقول تعالى في آية أخرى: «لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ». فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا خرج منه، فإنه لا حكم لكلامه، ولا يحكم بردته حينئذٍ، وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه، بل هي باقية في عصمته، ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال: يا رسول الله أوصني. فقال: «لا تغضب» فردد مراراً قال: «لا تغضب». فْليُحكِم الضبط على نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ، فإن هذه الأمور تذهب عنه غضبه، وما أكثر الذين ندموا ندماً عظيماً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات الأوان) انتهت الفتوى.
وإن هذا القول الذي صدر من صاحبة هذا المقطع المتداول هو من أسوأ الأقوال وأشنعها إذ يمس العقيدة وجناب الدين وهو كلام منكر لدى العوام والجهال قبل العلماء والمتعلمين، وإن المصيبة أن ينتشر ويتداول مثل هذا المقطع وهو يحمل كلاماً (قبيحاً) (منكراً) فيه أذية للمؤمنين والمؤمنات، هو أعظم وأعلى وأسوأ صور الفساد في الأرض وأعلاها وهو في نفس الوقت باسم محاربة الفساد !! وهو بعينه (الدواء بالداء) و(العلاج بالمرض الأشد) !!.
 وإن سماع كثير من الناس لمثل هذا الكلام دون الانتباه لخطئه (الكبير) وباطله (الخطير) ودون إنكاره - بحسب الاستطاعة - هو مما يعكس ويوضح بجلاء مكانة العقيدة الإسلامية في نفوس كثير من الناس ومدى عنايتهم بها والحرص على الدفاع عنها! فإن مما يلاحظ أن الانتقاص عبر هذه المقاطع وما شابهها إذا كان لفلان من الناس في أمانته أو عرضه ونحو ذلك انتبه له الكثيرون ممن يصلهم، لكن إذا كان في الاستهزاء بالله تعالى أو شرعه ودينه، فإن كثيراً من الناس لا يعنيهم ذلك في قليل أو كثير أو نقير أو قطمير ..ولا ينتبهون له فضلاً عن أن ينكروه ولو بقلوبهم !!
أتأسّف غاية الأسف لحصول وانتشار مثل هذا الخطأ الكبير، وأحزن للحال الذي نعيشه، حيث يحمل بعض الناس الداء (مضموناً وأسلوباً) ويظن أن معه الدواء والعلاج الناجع، وحقاً إننا في زمان نرى فيه أنه قد تحقق ما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام من أنه زمان : (ينطق فيه الرويبضة) ، والله المستعان، و"إنا لله وإنا إليه راجعون".