الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

مقاصد الزواج في الإسلام (2/2)

في الحلقة الماضية بيّنت أن المقصد الأعظم والأكبر والأسمى من الزواج هو حفظ النسل، وأما المقاصد التابعة للنكاح والمكملة للمقصد الأصلي فهي:

1/ تحقيق السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وهذا له أثر واضح وبارز في تعميق وتوطيد أواصر الزوجية، فالزوج والزوجة نفسان تركنان لنفس واحدة، قال الله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)
وقال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وهذا السكن والأنس له دور كبير في الراحة والأنس والاستقرار والمعونة على أداء الواجبات تجاه الأسرة والقيام بالمسؤولية.
2/ الإعفاف وإشباع الغريزة والفطرة: ومن هنا كانت حكمة تشريع الزواج، فهو الطريق الطبيعي والسليم لمواجهة هذا الميول وإشباع هذه الغريزة؛ فجعل الله الزوجة سكناً لزوجها وهو كذلك لها، فيسكن كل منهما لصاحبه فيسكن قلباهما عن الحرام وتسكن جوارحهما عن السقوط في حمأة الرذيلة وعن الانزلاق في مهاوي الخطيئة، فالزواج يعين أصحابه على غض البصر وحفظ الفرج وصيانة الدين وعفة النفس.
3/ ومن المقاصد التابعة في النكاح بناء الأسرة، فعقد الزواج تترتب عليه حقوق عظيمة وواجبات جليلة، فكل فرد في مؤسسة الزواج له مسؤولية يجب أن يقوم بها، فالزوج عليه واجبات تجاه زوجته وأبنائه، والزوجة كذلك عليها واجبات تجاه زوجها وأبنائها. وهذه المسؤولية راعاها الإسلام في تشريعه، فعلى سبيل المثال أوجب على الزوج النفقة على زوجته وأبنائه والرحمة بهم ومودتهم، وأوجب على الزوجة رعاية زوجها ومودته وطاعته في المعروف.
عَنْ عَبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري ومسلم.
وهذا التكافل الاجتماعي من خلاله يتم بناء الأسرة والأسرة منها يتكون المجتمع.
إن الزواج في الإسلام عبارة عن إقامة مؤسسة أسرية وهي بدورها تكون نواة في المجتمع، ولا يستمتع بالزواج ويتحمل مشاقه عن طيب نفس ورضاء خاطر إلا رجل علم مقاصد الشريعة من وراء هذا البناء الذي يستحق وصفه بالطود العظيم.
إن انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جماعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك أول ما عنى به الإنسان في إقامة أصول مدنيته، روعي فيه حفظ الأنساب من الشك في انتسابها، ولم تزل الشرائع تعنى بضبط أصل نظام تكوين العائلة الذي هو اقتران الذكر بالأنثى المعبر عنه بالزواج أو النكاح، فلم يلبث أن كان لذلك الأثر الجليل في تكوين نظام العشيرة، فالقبيلة فالأمة، فمن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة، ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العصبة، ومن امتزاج رابطة النكاح برابطة النسب والعصابة تحدث رابطة الصهر.
4/ كما أن الاتصال الشرعي بين الزوجين عن طريق الزواج فيه طهر للأفراد والمجتمعات من الأمراض والأوبئة والآفات الخلقية، وقد اعتنى الإسلام بالطهارة الحسية والمعنوية كما اعتنى بطهارة الظاهر والباطن، والعالم الإباحي يعاني من أنواع من الأمراض والآفات يقف الطب عاجزاً عن معالجتها، وكلما أحدثوا علاجاً ظهرت عليهم بعض الأدواء التي لم تكن في أسلافهم بسبب فواحشهم وتعدد صلاتهم وإباحيتهم.
عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِالله أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ المَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ الله عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ الله إِلاَّ جَعَلَ الله بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
مع بداية مشروع الزواج وتكوين الأسرة ووجود الأولاد يوقن الإنسان أن المسألة ليست مسألة لذة فقط ولا متعة وقضاء وطر، وإنما يدرك المرء أن للزواج في الإسلام حِكَماً عُليا ومقاصد كبرى ومنافع للنفس والمجتمع تفوق ما يتخيله كثير من الشباب.
إن عدم الزواج لعدم القدرة يؤدي إلى العنوسة، وهي هم وغم وتكدير للخاطر وكسر للقلب وحرقة في النفس وحرمان من الفطرة في الرغبة في إطفاء غرائز الشهوة وإشباع غريزة الأبوة والأمومة وتكوين أسرة في مملكة خاصة.
وإذا تبينت هذه المقاصد التي راعتها الشريعة الإسلامية في تشريع الزواج، اتضح بعد المسافة بين ما عليه المسلمون وما عليه المجتمع الغربي، وبالمقارنة بين حياة المسلمين وحياتهم الزوجية اتضحت المصالح العظيمة والمقاصد السامية التي تتحقق من خلال تشريع الزواج في الإسلام.
إن كثيراً من حالات الطلاق التي تتكرّر في مجتمعنا ــ ونشهد حالياً تدهوراً مجتمعياً ملحوظاً خرجت به الإحصاءات وكتبت فيه سلسلة مقالات من عدة حلقات بعنوان: (معاً لنحافظ على بيوت الزوجين) بكثرة حالات الطلاق، ويأتي واحد من أهم أسباب كثرة حالات الطلاق عدم إدراك الزوجين أو أحدهما للمقاصد الشرعية من الزواج، فإن إدراك المقاصد التي راعتها الشريعة كفيل بأن يكون من الأسباب التي تؤدي إلى حرص الأزواج وذويهم على استمرار الزوجية، فمصالح ومقاصد بهذا الشأن حري بأن يضحى لأجلها بما يستطيع المرء، وأن يتنازل في حدود الشرع، وأن يغض الطرف عن الهنات والزلات والهفوات، وليتحلَ الزوجان بالصبر لتحقيق مصالح ومقاصد هذا العقد العظيم الذي وصفه الله تعالى بقوله: (ميثاقاً غليظاً) .
والموفق من وفقه الله.