الأحد، 22 نيسان/أبريل 2018

board

دروس من عودة الملتحقين بداعش

عودة بعض الملتحقين بداعش في ليبيا ممن نجا من الشباب والفتيات في هذه الأيام إلى البلاد ، والذين كانوا قد سافروا قبل عامين وبعضهم سافر قبل ثلاثة أعوام ، حظيت هذه العودة لمن بقي منهم حيّاً بتناول كثير من الناس في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل ،

وكما قال بعض العلماء : (الفتنة إذا أدبرت عرفها كل أحد) !! ، وقد نظرت في فهرس مقالات عمود (الحق الواضح) التي نشرت في هذه الصحيفة ، فوجدتُ أن ما نشرته في البيان والتحذير والمناقشة العلمية لفتنة (داعش) و(جماعات التكفير) زاد عن السبعين مقالاً والحمد لله ، وقد كان كثيرٌ من تلك المقالات قد نشر في أيام سفر كثير من الطلاب والطالبات من جامعات معينة معروفة في قلب عاصمة بلادنا الخرطوم اعتنت بتدريس العلوم الدنيوية وأهملت تدريس العلوم الشرعية !! وفي نفس الوقت تركت (الحبل على الغارب) لبعض دعاة الضلال والفتن من المنتسبين إلى جماعات الغلو والتكفير فانفردوا بالطلاب والطالبات عبر أنشطة ودورات ليست رسمية فقاموا بغسل الأدمغة علماً بأن بعضهم لم يكن بحاجة إلى الغسل لأن أدمغتهم (خالية) من أبسط المعارف والمعلومات الشرعية وكان حالهم يوضّحه قول القائل : (أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفَ الهَوى ** فَصادَفَ قَلباً خالِياً فَتَمَكَّنا) ، وقد كان من تلك المقالات والتي تسجّل في سجل عناية هذه الصحيفة (الغراء) في محاربة الغلو والتطرّف : سلسلة مقالات (أسباب تسلل الجماعات التكفيرية إلى بعض جامعاتنا) والتي لخصتُها في ذلك الوقت - أي قبل عامين - وقدمتها في محاضرات بعضها عام بجامعة الخرطوم وجامعة المغتربين وبعضها خاص بالأساتذة والأستاذات بجامعة أم درمان الإسلامية.
وقد أفدت في بعض تلك المقالات في ما يخص تشخيص واقع وحال الطلاب والطالبات (الضحايا) ومن (غُسِلَت أدمغتهم) أفدتُ في ذلك من بعض المناقشات التي كنت قد باشرتُها بنفسي ، فقد كنتُ ناقشتُ في تلك الأيام بعض الطالبات اللائي انتبه لهنّ آباؤهن مبكراً أو في الوقت المناسب – جزاهم الله خيراً - وطلبوا مني إزالة الشبهات التي تم حشو أدمغتهن بها ، وقد رأيت العجب العجاب في تلك الجلسات ، إذ تجد فتاة تدرس في كلية علمية وليس لها معرفة بالمسائل الشرعية - مما قلَّ أو كثر - وبعضهن حياتها كلها قبل الجامعة – أي حتى نهاية الثانوية - في دول غربية قلّ بسببها إدراكهن ومعرفتهن للعلوم الشرعية ، ومع ذلك تجدها لا تتورّع في المجاهرة بتكفير الدولة ومن عمل بها والحكّام من عاونهم ، وتحكي بعضهن بيقين أن الهجرة من بلدنا السودان واجبة ، ويأثم من لم يهاجر ، والهجرة كما أفهموهم تجب - عاجلاً غير آجلٍ - حيث الدولة الإسلامية في (داعش) عند البغدادي أو لفروعها في الشام وليبيا !! ، ولا أدري هل حذف د.محمد علي الجزولي من موقع (اليوتيوب) مقاطعه التي تتحدّث عن تزيين داعش ؟! ولا أدري هل رجع مساعد السديرة عن مبايعته وأهله للبغدادي التي نشرت في الوسائط ؟! وقد ناقشت هذا الأخير في هذه القضايا في ثماني حلقات نشرت بهذه الصحيفة وطبعت بعد ذلك في كتاب طبعتان ، أعود لتلك الجلسات وأقول فإنك تعجب من اطلاع أولئك الفتيات رغم مظهرهن على الكتب المشتهرة في تكفير الحكام بل تكفير المجتمعات الإسلامية ، وهذه الكتب لا تخفى على جهات الاختصاص بأنواعها ومؤلفيها .
إن رجوع هؤلاء الشباب والفتيات وهم يسجلون اعترافات واضحة معلنة غير مخفية - لقيت حظها في النشر في هذه الأيام – اعترافاتهم بما وعدوا به ثم ما وجدوه في أرض الواقع القاتل المبكي المُدمّر لهم ، هو من الأمور المهمة التي يجب استثمارها واستغلالها في التحذير من هذا الفكر الغالي المنحرف ، والتحذير من مسالك أهل الغلو والتنطع والتطرّف عموماً ، وأهم من ذلك ضرورة بيان القواعد الشرعية التي يجب العمل بها ، وشرح منهج أهل السنة والجماعة بتفاصيله ، ونشر عقيدة السلف الصالح التي هي وسط بين أهل التكفير وأهل الإرجاء ، وإن من الأمور المهمة التي يجب استثمارها بمناسبة هذا الحدث : بيان الواجب على المسلم والمسلمة عندما تعرض عليهم مثل هذه الشبهات ويحاصرهم ويحيط بهم دعاة الفتن والضلال (خفافيش الظلام) الذين يعملون في الأنفاق المظلمة وفي الخفاء ، وبيان أنه يجب على كل من تعرض عليه الشبهات المضلة - صغرت أم كبرت قلّت أم كثرت - الرجوع إلى أهل العلم المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج ، السائرين على نهج الاعتدال والوسطية بلا إفراط أو تفريط ، ووجوب عرض مثل هذه الأمور على الوالدين وولاة الأمر في الأسرة ومناقشتهم بكل وضوح لأخذ رأيهم ومعرفة تقييمهم.
إن أهل العلم الراسخين لديهم من العلم والبصيرة ما ليس لدى غيرهم ، وإن كبار السن ممن تجاوزوا الأربعين وبلغوا الخمسين والستين وفوق ذلك لهم من الخبرات ما ليس لدى غيرهم ، وإن انفراد بعض الشباب والفتيات بآرائهم وإخفاء ما يطرأ عليهم على أهل العلم وكبار السن في أهلهم ممن هم على جادة وفهم سديد هو من أهم أسباب وقوع هذه (الكارثة) المؤلمة ، والتي أيقن أن كثيراً من الناس في مجتمعنا الطيّب يتمنون أن لا يعلموا تفاصيل سفر وعودة هؤلاء (المغشوشين) خاصة من خُدِعْنَ من الفتيات !! فإنها قصصٌ بالغة في الحزن والأسى مبلغاً عظيماً.
وإن من أهم ما يجب استثماره بمناسبة عودة الذين التحقوا بداعش في ليبيا ، ورجوعهم إلى البلاد في هذه الأيام ، تذكير كلَّ أب وأم بواجبهم تجاه أبنائهم ، وحقوق أبنائهم التي يجب عليهم أن يؤدوها ، وأماناتهم التي تحمّلوها ؛ فإن أكثر من التحقوا بداعش في سوريا وليبيا خلال الثلاثة أعوام الماضية ظهرت عناية أسرهم (الفائقة) بهم في الناحية الدراسية التعليمية الأكاديمية العلمية بل التفنّن في تعليمهم اللغات الأجنبية ، لكنهم للأسف لم يعتنوا بهم - بمثل أو قريب من تلك العناية - بدراستهم العلوم الشرعية ومبادئ وأصول ومسائل الدين ومعرفة قواعد وضوابط التكفير ، وأصول الإيمان ونواقضه ، وقواعد الاستنباط الصحيح ، ومنهج الاستدلال السليم ، ومن يؤخذ بقوله في الأحكام الشرعية ، ومن ذلك تعلّم أن أحكام الشريعة تفهم فهماً صحيحاً باعتبارها كلها جملة واحدة لا تتجزأ ، ولا يؤخذ حكمٌ بمنأى من الأحكام الأخرى ، ولو أدركوا ذلك بل لو وقفوا على أحكام عامة في الشريعة الإسلامية لما التحقوا بداعش وهرعوا إليها سالكين مسالك (التخفّي) وسائرين على طرق (التهريب) وربما (التزوير) دون إذن أو إخبار لأوليائهم(المكلومين) ، ولما سافرت الفتيات دون المحرم الذي أوجبته الشريعة في نصوص محكمة ، ولما تزوجن في داعش بسوريا أو العراق أو ليبيا بغير ولي !!
القائمون على أمر التعليم في وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي عليهم إدراك كيف تكون الوقاية من هذه المناهج المتطرفة التي هي واحدة من أهم تحديّات هاتين الوزارتين ، ووعليهم السعي الحثيث في طرق معالجاتها ، ورعاية الوسائل لتحقيق هذه الأهداف كالمقررات الدراسية وملاءمتها ، وفي الدورات التدريبية المستمرة في إعداد وتطوير أداء الأساتذة والأستاذات ، وفي الأنشطة الصفية واللا صفية للطلاب والطالبات ، وأما وسائل الإعلام فإن الواجب عليها كبير بل كبير جداً ، والمؤسف أن كثيراً منها – خاصة المرئي منها والمسموع - يغرّد خارج السرب !! ويصارع خارج الحلبة !! ولا يعي دوره في هذه الأمور التي هي من صميم رسالته ومن أهم واجباته ، ومن أشرف أعماله لمن عقل ذلك ، فهل لدى هذه الوسائل خطة مدروسة في هذا الجانب ؟! والإجابة على هذا السؤال المشروع أدعها لمن لديه علم في ذلك ، والواقع لا يبشّر بذلك .. للأسف الشديد.