الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

أصول ومصادر الصادق المهدي – عرض ونقد

 أن ينكر على الصادق المهدي آراءه التي يذكرها بين الحين والآخر في قضايا شرعية أمر قد يكون مهماً في بعض الأحوال ، لكن الأهم في نظري أن يتم توضيح لأصول ومصادر الصادق المهدي التي ينطلق منها للكلام في أمور شرعية ، فالحجاب أو النقاب أو الميراث أو الاختلاط أو الخلوة وغيرها هي مسائل جزئية بنى رأيه فيها انطلاقاً من أصول أصّلها لنفسه ، فيا ترى ما هي مصادر الصادق المهدي في إثبات أو نفي القضايا الشرعية؟!

في كتابه (المرأة وحقوقها في الإسلام
(ص 2) يقول : النقطة الأولى: مصادر المعرفة: إنّ معرفة الإنسان متعددة المصادر وهو إذ يعالج قضاياه الهامة ينبغي عليه أن يستمد الحقائق من كل مصادر المعرفة المتاحة له. مصادر المعرفة الإنسانية هي: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة. هذه المصادر هي التي نص عليها القرآن وهي التي أحصاها الفلاسفة فيما استعرضوا من معارف الإنسان.
وفي كتاب (جدلية الأصل والعصر) ص 24) ) قال : (الإسلام يذكر ويقر كل وسائل المعرفة الإنسانية: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربـة). ونقلاً عن صحيفة الصحافة قال في صالون سيد أحمد خليفة قبل أيام قليلة : (ويجب أن نفهم أن موضوع الدين ليس في البحث عن القياس والإجماع يجب البحث عن مصادر أخرى أساسية أولها العقل نحن مفروض نستخدم عقلنا، وكما قال الإمام الشافعي ليست هناك قضية يقول بها الدين ولا يقول بها العقل .. المنفعة ضرورية كمصدر من المصادر والمقاصد مقاصد الشريعة والإلهام).
لقد ذكر أربعة مصادر هي : (الوحي والإلهام والعقل والتجربة) ، وفي النقل الأخير أضاف (المنفعة والمقاصد الشرعية). وإذا قارنا بإجمال هذه المصادر التي ذكرها مع مصادر التلقي عند علماء المسلمين وعامتهم نجد الاختلاف الكبير والواضح ، فالنبي عليه الصلاة والسلام دلنا أن النجاة باتباع الكتاب والسنة وهما مصدرا التشريع في الشريعة الإسلامية ، والقرآن والسنة دلا على أن (إجماع) علماء المسلمين معتبر كما أن (القياس) مصدر من المصادر التي تثبت بها الأحكام، وقد استعمله النبي عليه الصلاة والسلام ودلّ الأمة عليه ، فكانت أدلة الأحكام المتفق عليها بين علماء المسلمين هي (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) ، وبنظرة للمصادر التي بين الصادق المهدي أنه يبني عليها الحقائق ، يمكن أن نقول له إنك تناقض نفسك تناقضاً واضحاً.. فإذا كان من مصادرك الوحي وهو (الكتاب والسنة) فلماذا ترد نصوصاً ثابتة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟! لماذا ترد حديث (ناقصات عقل ودين وشهادة المرأة) وتقول إنها من (أحاديث الفقه الذكوري) ؟! أين عملك بالوحي في هذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما ؟! وأين عملك بالقرآن الذي نقرأ فيه : "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء" ؟! وإذا كان القرآن مصدرك كما تدّعي فلماذا تستدرك على الأحكام المنصوص عليها في القرآن الكريم بشأن الميراث حيث قلت في كتاب (جدلية الأصل والعصر ) (ص57-58) هذه الظروف جعلت إنفاق النساء على الأسرة تبلغ نسبة معتبرة . فماذا يكون أثر ذلك على نصيبهن من الورثة؟ ربما أمكن استيعاب هذه الحقائق الجديدة عن طريق إعطاء نصيب لهن من الثلث الذي فوض للمورث تحديده . ولكن مع اتساع أعداد الأسر التي تعولها نساء ، لا يمكن تطبيق أحكام الوراثة بصورة لا تراعي مقاصد الشريعة وتأخذ المستجدات في الحسبان. هكذا ينبغي أن تراجع أشكال الأحكام الإسلامية ذات المضمون الاقتصادي لتأخذ المستجدات في الحسبان ولكي تحقق مقاصد الشريعة في ظروف العصر الحديث) .
ومما يوضح أيضاً موقفك من نصوص الوحي قبولك وتزكيتك لاتفاقية (سيداو) وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث قلت في (جدلية الأصل والعصر) أيضاً (ص70 ) كذلك استعرضت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي ووجدت أن الحقوق المثبتة فيه عامة وللمرأة خاصة تتفق مع مبادئ وأحكام الشريعة . وفي مقدمة الكتاب قلت: (وعبر الخمسمائة وألف عام الماضية خطت الإنسانية خطىً واسعة في سبيل تحرير المرأة حتى بلغت ما نصت عليه معاهدة سيداو Cedawمن حقوق المرأة المعاصرة).
ولست بحاجة لبيان مناقضة اتفاقية (سيداو) التي توصي بها كثيراً وتعتبرها (البديل) لقانون (الأحوال الشخصية) كما في ما نشر في الصحف يوم الخميس غرة ربيع الأول عام 1430هـ لست بحاجة لبيان مناقضتها للنصوص الواضحة والبينة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بما يزيد وضوحاً أن قول الصادق إن من مصادره (الوحي) هو مجرد دعوى ، لا تصح بالنظر لما يدعو إليه بشأن قضايا المرأة.
وأما (الإلهام) الذي يذكره كثيراً في مصادره ويبين أن المهدي اعتمد عليه ، فقد عرّفه الجرجاني في كتاب التعريفات بأنه(إيقاع شيء في القلب ، يثلج له الصدر ويطمئن ويسكن ، من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة يختص به الله بعض أصفيائه) ، وهو مصدر لإثبات العقائد والأحكام عند بعض الصوفية ، وقد أنكر بعض الصوفية أن يبني الشخص أمراً بالإلهام إذا خالف الكتاب والسنة وقد روى الإنكار عن أبي الحسن الشاذلي والصيادي وغيرهما ، والقول بأن الإلهام مصدر تثبت به العقائد والأحكام، بل تصحح به الأحاديث وتضعف !! هو قدح في الشريعة وإبطال لها وطعن في القرآن وفي بلاغ النبي للدين وفي كماله ، وقد تواترت النصوص في أن النجاة بالتمسك بالكتاب والسنة وأجمعت الأمة أن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه هو الوحيد الموحى إليه من ربه ، وأما (العقل) الذي يريد الصادق المهدي أن يجعله مصدراً ويستعمله في إثبات الأحكام وردها فيقال له وعقل من سيرتضى في ذلك ؟! هل هو يا ترى هو عقل جدك المهدي الذي رأى في تطبيق بعض الأحكام في قضايا المرأة هو الأفضل ؟! أم عقل النميري أم عقل محمود محمد طه أم عقل الصادق المهدي؟ عقل من يا ترى ؟! .. والناس يتفاوتون في عقولهم فمنهم من له نصف عقل ومن له ربع عاقل ومنهم دون ذلك ، هم طرائق قددا !!.. فعقل من يا ترى ؟! ومن المؤكد أننا في نستصحب أن عقلك قد ساقك للتحالف مع جون قرنق مدة من الزمان ثم اتخذك وزملاءك مطية وصل بكم إلى (نيفاشا) ثم أدار لكم ظهره !! ونستصحب أن عقلك الذي ساقك وزملاءك لجوبا لتشارك في تحالفها ثم اتخذكم (سلفا كير) مطية لنجاح الانتخابات والتوصل لمقاصده، هذان وغيرهما مواقف مهمة في تقييم العقل والفراسة .. وهل وقفت على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال : (لو كان الدين بالعقل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)..وأما كلام الشافعي فليس فيه مستند لما تدعو إليه لأنه وغيره من العلماء في القديم والحديث يقولون : إن الدين لا يخالف العقل والعقل تابع للدين ، ولابن تيمية كتاب ضخم عنوانه (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) فالعقل يتبع الشرع ، فالأساس هو الشرع والعقل منقاد لكن يستحيل أن يأتي الشرع بما هو مستحيل عقلاً .. وأما التجربة فهي مصدر للمعرفة في تحسين الإنتاج الصناعي أو الزراعي .. أو ما يشبهها ، ولا تصلح مصدراً لإثبات الأحكام الشرعية أو نفيها ، وإن قيل إن من وجوه التجربة (العرف) فإن العرف يشترط في العمل به أن لا يخالف الشرع ولا يصادم نصاً من نصوصه أو مقصداً من مقاصده ، وأما المقاصد الشرعية فهي تابعة للنصوص الشرعية وتؤخذ منها ،وهي المصالح التي لأجلها شرعت الأحكام ، فالمقاصد متفرعة عن النصوص التي ثبتت بها الأحكام. وأما المنفعة أو المصلحة فالمصلحة لاعتبارها شروط اشترطها العلماء من عدم مناقضتها للنصوص الشرعية وأن لا تصادم مبدأ أو أصلاً شرعياً أو مقصداً من مقاصد الشريعة وأي مصلحة ناقضت نصاً من القرآن أو حديثاً ثابتاً فهي ملغاة وغير معتبرة ، فلا اجتهاد مع النص وسلف المقدمين مصالحهم على النصوص هو إبليس الذي أبى السجود وهو نص من الله تعالى وصادمه بالمصلحة وهي رؤيته أنه أفضل من المأمور بالسجود له.