الجمعة، 28 أبريل 2017

board

من أسباب الحكم بالتكفير عند الصوفية

أولاً : الإنكار على المتصوّفة وانتقادهم : إن من أسباب الحكم بالتكفير على المخالفين عند بعض الصوفية إنكار ما عليه المتصوّفة من العقائد ، فلا يحتمل كثيرٌ من المتصوّفة ذلك فيحكمون على من انتقدهم في ما هم عليه - من معتقدات وأعمال وأقوال خالفوا بها الكتاب والسنة - بالكفر ومن نماذج ذلك ما يلي :


> قال صاحب كتاب "الحديقة الندية في الطريقة النقشبندية" وهو محمد بن سليمان البغدادي : (إياك أن تقول : طرق الصوفية لم يأت بها كتاب ولا سنة فإنه كفر). وعدَّ الإنكار على الصوفية سُمَاً قاتلاً وَرَدَ به الوعيد الشديد ، ويخشى على فاعله من سوء الخاتمة.
وقال صاحب كتاب "البهجة السنية في آداب الطريقة العلية الخالدية النقشبندية " وهو محمد بن عبد الله الخاني : (من لا شيخ له فشيخه الشيطان ، ومتى كان شيخه الشيطان كان في الكفر حتى يتخذ له شيخاً متخلقاً بأخلاق الرحمن).
وهذا الاعتقاد يردّده كثيرٌ من الصوفيّة - كثيراً - حتى بات من المسلّمات والثوابت الراسخة عندهم ، ومقصودهم بالشيخ هو "شيخ الطريقة" لديهم. ومن كان (شيخه الشيطان) فلا يخفى حاله ومآله !!
ويشتد غضب شيخهم ابن عربي - داعية وحدة الوجود - فيعلن أن المنكرين على المتصوّفة هم في مقام الفراعنة للرسل ، قال في ما سمّاه "الفتوحات المكية" : (وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي الذي منحهم أسراره في خلقه وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل).
> ومن عجائب ما أورده الصوفية في كتبهم مما يبيّن (التطرّف) في آرائهم وأفكارهم ، وممارستهم الإرهاب الذي يوجّه إلى منتقديهم وهو في نفس الوقت (إرهاب خفي) لأتباعهم ، من عجائب ذلك أن الشيخ – بزعمهم – قد يقتل منتقديه، ويكون له من (الغارات) عليهم ، وقد يخرج من ينتقدونه من الإسلام !! وإن كان منتقدوه حكاماً سلب منهم الحكم. وهذا نهاية في الغواية بالانتقال إلى الإخراج من دائرة الإسلام !!
فقد ادّعى البروفيسور حسن الفاتح قريب الله الصوفي السّمّاني الطريقة أنّ من شيوخ الصوفية من غضب على منتقديه فأخرجهم بسبب ذلك من ملة الإسلام إلى ملة الكُفْر، ومنهم من غضب على منتقديه فقتلهم، ومنهم من سلب عن الحكام حكمهم، واستدل بما ورد في الطبقات الكبرى للشعراني عند ترجمة الشيخ إبراهيم المتبولي من غضبه على من انتقدوه وصيحته فيهم التي أعقبها خروج منتقديه حتى من دين الإسلام، واستدلّ بما ورد في الطبقات الكبرى أيضاً عند ترجمة علي المحلي من غضبه على (قاضي دمياط) حيث نفخ على القاضي فمات من أثر النفخة والغضب. ينظر : كتاب "يستنبئونك".
ثانياً : تكذيب المتصوّفة في ما يدّعون وعدم تصديقهم أو الشك في دعاواهم : ومن أسباب التكفير لدى بعض المتصوّفة : عدم تصديقهم في دعاواهم وتكذيبهم ، ومن أمثلة ذلك :
> رمي محمد أحمد الملقّب بالمهدي لمخالفيه بالتكفير وإخراجهم من الملة إذا لم يصدقوه ويتبعوه في دعواه أنه (المهدي المنتظر) وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك في ما يتلقاه عنه (مشافهة) يقظة !! ، وقد كتب أنه خاطب (جميع المكلفين) لأن يؤمنوا به ويثبتوا له مهديته أو أنهم يكونون كفاراً!!
قال محمد أحمد المهدي – كما في "الآثار الكاملة" التي جمعها د. محمد أبو سليم : (ثم إنه يا أحبابي ، ما أخبرتكم به من قصة خلافتي بالمهدية قد حصل لي من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم من غير شك عندي وعند كل ذي بصيرة ، ومن شك فيه فهو كافر كما أخبرني بذلك سيد الوجود صلى الله عليه وسلم لأنه لا وجه للشك بحيث علمتم أن المهدي قد وردت بظهوره آخر الزمان الأحاديث الصحيحة ، وكون الله سبحانه وتعالى أراده وحققه في العبد الضعيف الفقير إلى الله تعالى ).
وقال في نفس المرجع : (قد أخبرني صلى الله عليه وسلم مراراً أن من شك في مهديتي كفر بالله ورسوله ، وأن من عاداني كافر ، وأن من حاربني يخذل في الدارين)
وقال : (وقد أمرني صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير وأمرني أن أكاتب بها جميع  المكلفين ، فمن أجاب داعي الله صار من الفائزين ومن أعرض خذل في الدارين).
فقد حكم بالكفر على كلِّ من لم يصدّقه – أو شك فيه – دون الاستناد على دليل شرعي من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الاعتماد على (المنامات) !!
ثالثاً : عدم اتباع طرقهم والانخراط فيها: لا يتورّع كثيرٌ من الصوفية في إصدار حكم التكفير على من لم يدخل في طرقهم وينخرط فيها ويستسلم لشيوخها وينقاد لهم،ومن أمثلة ذلك:
> زعمت فرقة الجنبورية أن شيخهم هو إمام العصر والزمان و أن من لم يدخل في طاعته مات ميتة جاهلية وقتلوا كثيراً من مخالفيهم واستباحوا اغتيالهم. ينظر كتاب : فرق الهند المنتسبة للإسلام.
> يزعم محمد عثمان الميرغني شيخ الطريقة الختمية كما في كتاب "الهبات المقتبسة" أن الله خاطبه وقال له : (أنت تذكرة لعبادي ومن أراد الوصول إليَّ فليتخذك سبيلاً وأن من أحبك وتعلق بك هو الذي خلد في رحمتي ومن أبغضك وتباعد عنك فهو الظالم المعدود له العذاب الأليم).
> وكفّر غلاة الصوفية من ليس على طريقتهم كما نقل صاحب كتاب "مناقب العارفين في أخبار جلال الدين الرومي"، حيث قال: (سأل الشيخ المحترم أوحد الدين الخوئي مولانا - يعني جلال الدين الرومي - : من هو الكافر؟. فقال مولانا: أرني المؤمن كي يَبِينَ الكافر!. فقال الشيخ أوحد الدين : أنت هو المؤمن!!. فقال مولانا: في تلك الحال فكل من يضادُّنا فهو الكافر!!).
> وقال عبد الرحيم البرعي محذّراً المريد من مخالفة شيخه كما في قصيدة "أهل الوصال" من ديوان "رياض الجنة":
لأوامره استسلمَ > > > ولا تقول أبداً لِـــــــم ... إلى قوله :
الخالف عدّو قط > > > من عين الرب سقط
وهكذا حكم شيوخ التصوّف على من خالف الشيخ عندهم ، ويأتون بأنواع وعيد عظيم كهذا (السقوط) المدّعى بغير هدى ولا كتاب منير، وهو يعني خسارة الدنيا والآخرة.
إن من سار على منهج أهل السنة والجماعة في باب التكفير وغيره سلم من الضلال والانحراف، وعُصم من الخلل والزلل، قال الله تعالى : (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ، وإن في اتباع منهج أهل السنة والجماعة الوقاية والسلامة من الغلو والتطرّف في هذا الباب الخطير، وإنّ أهل السنة والجماعة يتقيّدون في الأعمال والأقوال التي يحكم بأنها كفرٌ بنصوص الشرع، وأن ما يكفّر به هو من الأمور التوقيفية التي لا تخضع للاجتهاد ولا للاستحسان فضلاً عن الانتصار للأهواء والآراء وقد نشرت مقالين سابقين في التفصيل في ما يكفّر به عند أهل السنة والجماعة ..