الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

board

لنوقف (مهازل) التخريج في رياض الأطفال

ظاهرة قبيحة ومنكرة تمثّلت في حفلات خريجي الجامعات التي تقام في بعض الصالات بحضور فنانين وفنانات وباتت منكراتها في مجتمعنا من المعلومات الواضحات، تلك الظاهرة وسبيل علاجها صغته في مقال نشرته بهذه الصحيفة بعنوان (حفلات التخريج الفوضى والتهريج) بيّنت فيه الأخطاء في تلك الاحتفالات، وسررنا بعد نشر المقال بأسبوع لصدور قرار رسمي بإيقاف تلك الحفلات،

وربما تفلّتت جهات وخريجون وخريجات عن الالتزام بذلك القرار الذي لقي قبولاً كبيراً في المجتمع، بسبب خطورة هذه الظاهرة واستفزازها لمجتمعنا بما يحصل فيها من مهازل مخجلات.
وفي هذه الأيام الماضية تكثر حفلات التخريج للأطفال في كثير من رياض الأطفال، وعن بعض ما أحدثته بعض رياض الأطفال فحدّث ولا حرج !! من طلب لبس أزياء وملابس بأسعار خرافية، ومن تكاليف باهظة في الإعداد لتلك الحفلات حتى بلغت تكلفة الطفل الواحد مئات الجنيهات وربما تعدت الألف والألفين والثلاثة !!.. ويقام بعض حفلات تخريج الأطفال في صالات احتفالات، وتستأجر بمبالغ خرافية ...!!! يا ترى ما الهدف من هذه الحفلات بهذا الشكل؟ وما المقصود بها؟ وما المردود التربوي العائد لهذه الحفلات؟!! وهي بهذا البذخ والتبذير في ذات الوقت الذي يوجد فيه في غرف العناية المركزة بمستشفياتنا وبعنابر الأطفال آلاف الأطفال الذين لا يجدون دواءً بخمسين جنيها !!! وأما الفقرات وتهافتها فيكفي أن تعلم أن فيها (حنة الطفل الخريج) و(نقش الحناء للطفلة الخريجة) .. وربما طقوس وخزعبلات لطرق وفرق، وتقليد لفنانين وفنانات وهو مستنقع لا قاع له !! من المخطّط لهذه الظاهرة؟ !! وما أهدافه؟!! وأين دور الجهات القائمة على هذه الرياض؟ وأين هم المديرون، بل وأين أولياء الأمور من الآباء والأمهات، يبدو أنهم يكتفون فقط بالتنفيذ رغم عدم قناعة كثير منهم بما يحصل في هذه الاحتفالات؟!! وما العائد الأخلاقي والتعليمي والتربوي لهذه الحفلات وهي بهذا الإخراج؟! إن هذه الحفلات تعلم الأطفال انفصام الشخصية !! وتعطيهم دروساً عملية في ممارسة الازدواجية !! وتربيهم على التعوّد على حياة التناقضات، وعلى الأنانية، كما هي تربية عملية على تقديم الاهتمام بالمظاهر وطغيانها على المخابِر والحقائق .. بالإمكان أن يقام احتفال التخريج بتكلفة1% مما تقام به الآن، وتكون على الطريق الصواب وبمنهج اعتدال وبوسائل وأهداف تنبع من صميم دور المؤسسات التعليمية، ويحقّق أهدافاً أكثر ويكون العائد أفضل، لكن أنّى لذلك ونحوه أن يتحقق ونحن في مجتمع يقلّد فيه كثيرون غيرهم تقليداً أعمى !! ويجتهد كثيرات وكثيرون للعناية بالمظاهر ولئلا يكون أبناء فلان في حال أحسن من أبنائنا !! وليت شعري ما الأحسن ومن الحسن؟!! يصوّره قول القائل :
يقضي على المرء في أيام محنته *** حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن.
أين دور العلماء وأين دور المدرسين والمدرسات؟! وأين دور الناصحين والناصحات؟! وأين دور أسر هؤلاء الأطفال؟! ماذا استفادت أسرٌ وهي تدفع ستمائة أو سبعمائة ألف أو أكثر في حفل تخريج طفلهم ويغلب على الحفل العناية بالمظهر والإفراط في التصوير والتكلّف ببنود الصرف، وربما في كثير من رياض الأطفال عدم وجود برنامج وفقرات مناسبة ومفيدة تحقق أهداف هذه المرحلة !! فكيف بك يا ولي أمر الطفل تدفع مثل هذا المبلغ وجملة من أهلك الأقربين لا يملكون قوت اليوم وأبناؤهم لا يستطيعون شراء وجبة الإفطار بالمدرسة وهي ساندوتش (طعمية)؟!! فلربما كانت خمسين جنيهاً فقط  مما صرف كافية لبرنامج حفل لمثل هذه المناسبات .. لكن ذلك يحتاج لوقفة من أولياء الأمور ينتبه بها القائمون على تلك الرياض.
وأنتم يا مديرو ومديرات هذه الرياض .. كيف طابت لكم أنفسكم أن تطلبوا تجهيزات بمبالغ هكذا وأنتم تنظرون من حولكم بالجهات الأربع في مدارسنا في أحياء العاصمة وولاياتها؟! ألم تروا أطفالنا وهم يدرسون في (رواكيب) وفي العراء أحياناً ويفترشون الأرض؟! هل تحتاجون وأنتم (حُرّاس) التعليم في بلدنا لأن نطلعكم على وضع غالبية أطفال مجتمعنا في المدارس؟! هل رأيتم (الباقر) ذلك المواطن الأصيل الذي يصنع (بليلة) يتبرّع بها فطوراً لطلاب المدارس وهو يصنعها أمام بيته بحي الدروشاب لما علم عن بعض حالات الجوع لدى الأطفال الذين لا يملكون جنيهات الفطور؟!، جعل الله صدقته هذه  في ميزان حسناته وفتح له بها باب رزق واسع وصحة وعافية تامة دائمة. عجباً !! عجباً !! هكذا نعيش ويعيش من حولنا من الأطفال في المدارس، وكثيرون وكثيرات في مجتمعنا يهرولون في تقليد أعمى للمشاركة في هذه الحفلات بمجرد التقليد الأعمى، وفي تقييمي بوصفي مدرساً ومشرفاً تربوياً ثم أستاذاً جامعياً فإن هذه الحفلات في رياض الأطفال بهذا الشكل تتعارض وتتناقض مع أهداف التربية والتوجيه والتعليم في هذه المرحلة. وقد درسنا في زمان كنا فيه منذ الصف الأول الابتدائي ننظّف المدرسة بعد الفجر مباشرة، وفق جدول أسبوعي يستوعب جميع طلاب الفصل، ونصنع كل اللوحات والوسائل التعليمية بأيدينا، وجزى الله خيراً أساتذة أحسنوا توجيهنا ونحن في الصف السادس الابتدائي لنزرع مزرعة كاملة في جزء من حرم المدرسة ونقوم بالسقي والحرث لنزرع وننتج البامية والملوخية والعجور والطماطم والجرجير ونحصدها ونبيعها في السوق كجزء من أعمال المدرسة !! وتعلمنا أن لا يكون طالب بحاجة إلى شيء ومن حوله يملكون مساعدته.
وازداد عجبي لما وقّفت على نماذج لبعض رياض الأطفال وهي تحث الأطفال في حفلات التخريج على ممارسة الموسيقا والتربية على الغناء المحرّم بنصوص الكتاب والسنة وهو مذهب الأئمة الأربعة، ورياض أخرى تأمرهم بضرب النوبات ولبس المرقّع من الثياب، ويا ترى لو سألهم طفل أو طفلة هل فعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟! ماذا سيكون الجواب؟! وهذا بعينه التربية على التقليد المحض، وتقديم عاطفة باتباع عادات موروثة وإقصاء لمنهج الدليل والحجة والبرهان، ويبدو أن للمثل (فاقد الشيء لا يعطيه) والمثل (كل إناء بما فيه ينضح) حضور في تشخيص مثل هذه الظواهر وتحليل لأسباب وجودها .. تمنّيت لو كان في برامج هذه الرياض في التخريج زيارة للأطفال المرضى بالمستشفيات وتقديم هدايا لهم، ويكون في بعض رياض الأحياء زيارة لبعض الأطفال الأيتام والفقراء وتقديم هدايا مناسبة لهم .. كما تمنيت لو يتم جمع تبرعات بواسطة الأطفال يشترى بها أشياء مساهمة في أشياء مناسبة في أماكن عامة أو داخل الأحياء كالمساجد والمدارس وتكون هي فقرات التخريج وحكاية ما أفادوه من روضتهم .
نحن مجتمع خرجت منه أجيال حملت مصابيح الدجى وشموع الضياء ونور الهداية وعلّمت في الدول العربية والأجنبية، والمعلم السوداني والمعلمة السودانية لهما المكان المشرّف في التعليم العام والعالي في البلاد القريبة والبعيدة، فكيف بمجتمع هذه مخرجاته وهذه آثاره كيف به ينحدر هذا المنحدر المؤسف؟!!

الأعمدة