الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

د. يوسف الكودة.. حالة تستحق الدراسة (4)

في الحلقات الثلاث السابقة نشرتُ ثلاثة مقالات كنت نشرتها سابقاً بهذه الصحيفة في فترات مختلفة رداً على ما ينشره د. يوسف الكودة، وكان المقصود بنشر الحلقات الثلاث السابقة (جرد الحساب) بجمع مسائل ومواقف أثارها في جوانب متعدّدة، وقد ظهر من خلال هذا الجرد ما يلي:

· مرور يوسف الكودة بمراحل مختلفة، فقد كان داعية بجماعة أنصار السنة المحمدية ثم خرج عنها وكوّن حزباً سمّاه (الوسط) وادعى أنه في الوسط، وأقرّ مقدم البرنامج الذي وصفه بأنه في منزلة بين منزلتين.
· تباين موقفه من الحكومة فلمّا بدأت ثورة الإنقاذ كان مؤيداً لها بل نشر في صفحات الصحف أنه سيسمي مولوده القادم (إنقاذاً) لو كان بنتاً أو يسميه (يونس) على اسم الضابط (المشهور) يونس محمود الذي كان صديقاً له. ثم اختلف هذا الإعجاب و(الولاء) للحكومة ليصل مرحلة (المعارضة) بل التوقيع مع تحالف ما سمي (الفجر الجديد) ووضع اليد مع (الجبهة الثورية) في كمبالا ومباركة مالك عقّار لتلك المشاركة من الكودة !!! بل مطالبته الرئيس البشير بالتنحي. ومما وقف عليه القارئ قوله: (... ثم إن هذه القسمة (إسلاميون وعلمانيون) التي يريد أن يأكل منها النظام عيشاً كما أكل وشرب بالسحت من متاجرته بالشريعة، فإن النظام يريد بها تغطية فشله الذريع وعيوبه التي لا تخطئها عين، وهذا ما لم يفت على كل ذي عقل من السودانيين).أ.هـ
· اختلاف حال الكودة إلى حال آخر أصبح فيه يفتي بجواز الاحتفال بيوم الحب وفلسفته القبيحة بأن يسمى يوم الحب ولا يسمى عيد الحب، والحال الذي آل إليه الكودة هو التشنيع على العلماء والدعاة الذين يفتون بعدم جواز تهنئة النصارى بأعيادهم، ولذلك بات ممن يتابعونه في ما ينشر ويمدحونه، شيوعيون وليبراليون وعلمانيون وأصحاب أهواء وما شابههم، وبلغ الكودة في الشطط قمته في فتواه الشهيرة في الدعوة للسماح بتوفير الواقي الذكري وهماً منه أنه بذلك يتحقق أدنى المفسدتين!! وبات يصف الدعاة إلى الله بأن لديهم عشق التحريم، لأنه يريد (التحليل) بوفق المسائل التي ذكرتها.. وفي جرد الحساب الموجز بهذه الحلقات الثلاث وقف القارئ على كلامه في الاقتصاد الإسلامي، والاحتفاء بالديمقراطية والغلو فيها لدرجة دعواه أنها لو أتت بالرئيس الكافر حاكماً علينا لكان مقبولاً!! وتمجيده وثنائه على دولة إسرائيل كما في حديثه في كمبالا حيث قال: (نحن عاوزين نبقى زي الإسرائيليين فى الانتخابات ...). والمسكين يجهل أنّ العنصرية الموجودة في داخل إسرائيل من نوع خاص قلّ أن يوجد مثلها قبحاً في العالم، فليته يكتب هذا العنوان (العنصرية في إسرائيل) في محركات البحث ليعرف كيف يعيش الإسرائيليون!!
أقول: هذا موجز يبين من هو الكودة .. واختصاراً أقول : يجب على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أن لا تنشر لهذا الكودة مثل هذه الأراجيف، وهذا الشغب الذي اشتهر عنه في الفترة الأخيرة ..
وأما مسألة (التطبيع مع دولة إسرائيل) التي دعا إليها هذا المفتون ــ هداه الله ــ فيكفي في بيان باطلها ردود الأفعال التي حصلت في الأيام الماضية، من العامة ومن الخاصة، فقد صرّح مسؤولون كبار في الدولة بحسب ما نشر في الصحف يوم الأحد قبل أمس، بأن هذه الدعوة من الكودة (شذوذ) ليس له سند شعبي ولا سياسي، وجاء الكلام في ذلك مفصّلاً على لسان رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الذي سخر من تصريحات الكودة وأكّد موقف السودان من ذلك.
أقول: هل خفي على الكودة الذي درس بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (فرع أبها) هل خفي عليه الموقف الشرعي في ما دعا إليه من (التطبيع مع دولة إسرائيل)؟! ألم يكن يدرس في الفقه الإسلامي وفي السياسة الشرعية أنواع التعامل مع الكفار؟! ألا يعلم الفرق بين الكافر المعاهد والكافر الذمي والكافر الحربي؟! هل يعلم الفرق في التعامل في الفقه الإسلامي بين هذه الأصناف؟!
أليست دولة (إسرائيل) دولة محتلة محاربة؟! أليست تقتل إخواننا المسلمين في فلسطين وتستبيح ديارهم وأرضهم ودماءهم وأعراضهم؟! ولمّا تفتح لهم أبواب التجارة والاستثمار والنماء أليس في ذلك أعانة لهم ويترتب عليه مزيد الأذى على المسلمين في فلسطين؟! ومزيد من البطش والتنكيل عليهم من هذا العدو اليهودي الحاقد، ولمزيد من التوضيح أسوق ما يلي:
إن الأصل هو جواز التعامل بالبيع والشراء مع اليهود والنصارى وغيرهم، لما ثبت من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع يهود المدينة بالبيع والشراء والقرض والرهن، وغير ذلك من المعاملات المباحة في ديننا. وإن اليهود الذين تعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من (أهل العهد)، ومن نقض العهد منهم فقد قُتِلَ أو أُخرِجَ، أو تُرِكَ لمصلحة.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : (وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة، وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحاً وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم ...) اهـ.
وقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: (مُعَامَلَةُ الْكُفَّارِ جَائِزَةٌ، إِلا بَيْعَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ.
ونقل في (المجموع) الإجماع على تحريم بيع السلاح لأهل الحرب. والحكمة من ذلك واضحة، وهي أن هذا السلاح يقاتلون به المسلمين.
وأنقل من فتاوى العلماء الراسخين ما يلي:
1/ السائل: شيخنا بما أن الحرب قائمة بيننا وبين اليهود، فهل يجوز الشراء من اليهود، والعمل عندهم في بلد أوروبا؟
فأجاب الشيخ الألباني رحمه الله بقوله: الشراء من اليهود؟ السائل: نعم، والعمل عندهم في بلد أوروبا يعني؟ الشيخ الألباني: نحن لا نفرق بين اليهود والنصارى من حيث التعامل معهم في تلك البلاد، مع الكفار والمشركين إذا كانوا ذميين ــ أهل ذمة ــ يستوطنون بلاد الإسلام فهو أمر معروف جوازه. وكذلك إذا كانوا مسالمين، غير محاربين أيضاً حكمه هو هو، أما إذا كانوا محاربين، فلا يجوز التعامل معهم، سواء كانوا في الأرض التي احتلوها كاليهود في فلسطين، أو كانوا في أرضهم، ما داموا أنهم لنا من المحاربين، فلا يجوز التعامل معهم إطلاقاً. أما من كان مسالماً كما قلنا، فهو على الأصل جائز.
2/ ومن فتاوى الشيخ الألباني رحمه الله قوله: قلت آنفاً لبعض إخواننا سألني وكثيراً ما نسأل، يسألون الناس إلى اليوم عن اللحم البلغاري، وأنا حقيقة أتعجب من الناس.. اللحم البلغاري بلينا به منذ سنين طويلة.. كل هذه السنين ما آن للمسلمين أن يفهموا شو حكم هذا اللحم البلغاري؟ أمر عجيب ! فأنا أقول لا بد أنكم سمعتم إذا كنتم في شك وفي ريب من أن هذه الذبائح تذبح على الطريقة الإسلامية أو لا تذبح على الطريقة الإسلامية، فلستم في شك بأنهم يذبحون إخواننا المسلمين هناك الأتراك المقيمين منذ زمن طويل يذبحونهم ذبح النعاج، فلو كان البلغاريون يذبحون هذه الذبائح التي نستوردها منهم ذبحاً شرعياً حقيقة أنا أقول لا يجوز لنا أن تستورده منهم، بل يجب علينا أن نقاطعهم حتى يتراجعوا عن سفك دماء إخواننا المسلمين هناك، فسبحان الله مات شعور الإخوة التي وصفها الرسول عليه السلام بأنها كالجسد الواحد (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، لم يعد المسلمون يحسون بآلام إخوانهم فانقطعت الصلات الإسلامية بينهم، ولذلك همهم السؤال أيجوز أكل اللحم البلغاري؟! لك يا أخي أنت عرفت أن البلغار يذبحون المسلمين هناك، ولا فرق بين مسلم عربي ومسلم تركي ومسلم أفغاني إلى آخره، والأمر كما قال عليه السلام إنما المؤمنون إخوة، فإذا كنا إخواناً فيجب أن يغار بعضنا على بعض ويحزن بعضنا لبعض، ولا يهتم بمأكله ومشربه فقط.
فلو فرضنا أن إنساناً ما اقتنع بعد بأن اللحم البلغاري فطيسة.. حكمها فطيسة لأنها تقتل ولا تذبح، لا نستطيع أن نقنع الناس بكل رأي لأن الناس مازالون مختلفين إلا من رحم ربك كما جاء في القرآن الكريم، فإذا كنا لا نستطيع أن نقنع الناس بأن هذه اللحوم التي تأتينا من البلغار في حكمها كالميتة، لكن ألا يعلمون أن هؤلاء البلغار يذبحون إخواننا المسلمين هناك؟ أما يكفي هذا الطغيان وهذا الاعتداء الأليم على إخواننا من المسلمين هناك أن يصرفنا عن اللحم البلغاري ولو كان حلالاً؟ هذا يكفي وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
3/ وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (موقفنا من إخواننا المسلمين في يوغسلافيا، فالواجب علينا أن نبذل ما نقدر عليه من الدعاء لهم بالنصر، وأن يكبت الله أعداءهم، وأن يهدي الله ولاة أمور المسلمين حتى يقاطعوا كل من أعان من يقاتلهم على قتالهم، المسلمون لو قاطعوا كل أمة من النصارى تساعد الذين يحاربون إخواننا لكان له أثر كبير، ولعرف النصارى وغير النصارى أن المسلمين قوة، وأنهم يد واحدة، فموقفنا نحن كشعب من الشعوب أن ندعو الله لهم بالنصر، وأن يذل أعداءهم وأن نبذل من أموالنا ما ينفعهم، لكن بشرط أن نتأكد من وصوله إليهم .....). وفتاوى أهل العلم في هذه المسألة واضحة ومعلومة.
إن الفرق بين الكافر الحربي والكافر غير الحربي من الأمور الواضحة، وإسرائيل دولة (محاربة) تحتل بلاد فلسطين وتتحكّم في بيت المقدس طهّره الله من رجسهم ونجسهم .. والفرق واضح، وإننا نشكر دولتنا على مواقفها المشرّفة السابقة واللاحقة من دولة إسرائيل وهي مواقف واجبة عليها، ونشكرها على نصرتها قضايا المسلمين، ومازلنا نتفيأ ظلالاً طيبة هي ثمرة بتر النبتة الرافضية الشيعية ومعافاة بلادنا من المد الشيعي الصفوي.. ونأمل أن تضبط وسائل الإعلام حتى لا يبقى لمثل تصريحات الكودة المذكورة طريق تنشر به.
والموفق من وفّقه الله.