الأحد، 26 مارس 2017

board

زواج (التراضي) في ميزان الشرع (2/2)

بيّنتُ في مقالي الذي نشر يوم السبت الماضي وعنوانه : (لماذا كان الولي شرطاً في الزواج؟) المقاصد الشرعية التي راعتها الشريعة الإسلامية الربانية الخاتمة في اشتراط الولي لعقد النكاح وعدم جواز تزويج المرأة لنفسها أو أختها..


وفي هذا المقال والمقال السابق رأيت أن أضيف إلى ما جاء في ذلك المقال أدلة جمهور العلماء التي استندوا إليها في الحكم بعدم جواز وبطلان تزويج المرأة لنفسها أو تزويجها لغيرها ، وهو ما يشار إليه بزواج (التراضي) !! وهو حديث الساعة الآن في بلادنا !! إذ انبرى في الأيام الماضية أناس كثر للحديث في هذه المسألة وبعضهم لم يحط بها علماً وإنما أراد أن يخوض مع الخائضين !! بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير !! وفتح الباب على مصراعيه – للأسف الشديد – ليكتب الكتّاب في الصحف ، وفي المنتديات وليدلي اليساريون وبنو علمان وبعض مقدمي عقولهم وأهوائهم على نصوص الوحي المنزّل .. وحقاً هان الدين لدى كثير من الناس – إلا من رحم الله – ولذلك لا يتكلم في الطب والهندسة والصيدلة ونحوها إلا المتخصصون فيها ، وأما الأحكام الشرعية فهي مورد كل من أن أراد أن يسود بالقلم !!!
وفي المقال الماضي أوردت بعض أدلة جمهور العلماء على اشتراط الولي من الكتاب والسنة وأواصل ذكر بعض أدلتهم من السنة النبوية :
الدَّليل الرَّابع: ما رواه عروة بن الزُّبير: أنَّ عائشة - رضي الله عنها - أخبرته: أنَّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء :
منها: نكاح النَّاس اليوم، يخطب الرّجل إلى الرّجل وليَّته، أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي4 منه، فإذا تبيَّن حملها أصابها زوجها إذا  أحبَّ وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرَّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلُّهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمَّى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
والنكاح الرَّابع : يجتمع الرَّهط الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهنَّ رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ ووضعت حملها جُمِعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته به، ودعي ابنه ، لا يمتنع من ذلك، فلمّا بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم بالحقِّ "هدم نكاح الجاهلية كلّه، إلا نكاح الناس اليوم". رواه البخاري بهذا اللفظ. ورواه أيضاً أبو داود والدارقطني والبيهقي.
والدَّليل على اشتراط الولاية في النكاح من هذا الحديث هو في قول عائشة رضي الله عنها: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ثم قالت في آخره: فلمَّا بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم بالحقِّ هدم نكاح الجاهلية كلَّه إلا نكاح الناس اليوم". فدلَّ ذلك على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وأنَّه هدم ما سواه من أنكحة الجاهلية، فلم يبق منها إلا هذا النكاح المعتبر فيه الوليّ، ويزيد هذا المعنى قوَّة وتأكيداً ما جاء من الأحاديث الأخرى في اعتبار الوليّ".
الدليل الخامس: ما رواه الحسن البصري قال: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} ، قال: حدثني معقل بن يسار أنَّها نزلت فيه قال: "زوَّجت أختاً لي من رجل فطلَّقها حتى إذا انقضت عدَّتها جاء يخطبها فقلت له: زوَّجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به،  وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: {فَلا تَعْضُلُوهُنّ} فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: "فزوِّجها إيَّاه".
رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه أيضاً: أبو داود وفيه: "فكفَّرت عن يميني وأنكحتها إيَّاه".
فهذا الحديث الوارد في سب نزول الآية الكريمة دليل على أنَّ الأمر في النكاح بيد الوليِّ، وإلا لما كان لعضل "معقل" أخته معنى؛ إذ لو كان لها أن تزوِّج نفسها بدونه لما احتاجت إليه، ولما احتاج إلى التكفير عن يمينه، ولكان مجرَّد رغبتها في مراجعة زوجها، ورغبة زوجها في الرجوع إليها كافيًا؛ إذ هي حرَّة، عاقلة، بالغة، ثيِّب، ومن كان أمره إليه لا يقال إنَّ غيره منعه، ثم لو كان أمرها في النكاح إليها دون أخيها لأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيها أنَّه لا سبيل له عليها، وأنَّها مالكة أمر نفسها؛ والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
قال الترمذي- رحمه الله- في هذا الحديث دلالة على أنَّه لا يجوز النكاح بغير وليّ، لأنَّ أخت "معقل بن يسار" كانت ثيِّباً، فلو كان الأمر إليها دون وليِّها لزوَّجت نفسها ولم تحتج إلى وليِّها "معقل بن يسار" وإنَّما خاطب الله في هذه الآية الكريمة الأولياء فقال: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ} ، ففي هذه الآية دلالة على أنَّ الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهنَّ" اهـ. وقال ابن العربي رحمه الله: "فإن قيل: إنَّ السبب الذي رويتم يبطل نظم الآية؛ لأنَّ الوليَّ إذا كان هو المنكِح فكيف يقال: لا تمتنع من فعل  نفسك؟ وهذا محال، قلنا: ليس كما ذكرتم، للمرأة حقُّ الطَّلب للنكاح، وللوليِّ حقُّ المباشرة للعقد، فإذا أرادت من يُرضَى حاله وأبى الوليُّ من العقد فقد منعها مرادها، وهذا بيِّن".
قلتُ : هذه خمسة أحاديث نبوية شريفة وقبلها ثلاث آيات كريمات تدل على اشتراط الولي في النكاح وبطلان الزواج إذا لم يكن بالولي وهي أدلة واضحة كافية من شرح صدره لنصوص الوحي واستسلم له ، ولذلك عمل الصحابة الكرام وهم قدوتنا بمقتضى هذه النصوص الواضحة الدلالة المعلومة المقاصد وقد قال العلامة ابن المنذر رحمه الله تعالى : "إنَّه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك" أي لا يعرف أحداً قال خلاف اشتراط الولي في الزواج وذلك بعد قوله : "روى هذا القول عن عمر بن الخطاب ، وعن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وبه قال سعيد بن المسيِّب ، والحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشَّافعي، وعبيد الله
ابن الحسن- العنبري- وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد".
 إن الذي اشتهر ذكره عن الصَّحابة - رضوان الله عنهم - قولاً وفعلاً أن الذي يزوِّج النِّساء إنَّما هو أولياؤهنَّ من الرجال، بل قد اشتهر بين العلماء قول ابن المنذر: إنَّه لا يعرف عن الصحابة خلاف ذلك "، وفي هذا دعوى لإجماع الصحابة على القول بأنَّه "لا نكاح إلا بوليٍّ"، وكفى بإجماعهم حجَّة - رضي الله عنهم.
وأما قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبعض أتباع المذهب الحنفي فإنه قول مرجوح ، مخالف للنصوص الشرعية الواضحة ، والعبرة بما ورد في الكتاب والسنة ، وأقوال العلماء يستدل لها ولا يستدل بها  (أي يطلب لها الدليل ، وليست هي الدليل) .. وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والسفيانان والأوزاعي ومكحول وعطاء وابن المبارك والليث وسائر علماء السلف الصالح قد برأوا ذمتهم عندما قالوا : إذا وجدتم قولنا يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولنا عرض الحائط .. وكان الإمام مالك رحمه الله يقول : كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ويعني النبي صلى الله عليه وسلم .. وكان – وما زال – العلماء يقولون : من تتبع زلات العلماء تزندق .. ومن تتبع زلات العلماء اجتمع فيه الشر كله .. وتعجب من قوم يريدون أن يتغيّر أمر الزواج في بلادنا عن الحال الذي هو عليه منذ القرن الأول ، منذ أن دخل الصحابة بالإسلام إلى بلادنا .. فيريدون أن يباح زواج (التراضي) ويتحجّجون بقول مرجوح لأبي حنيفة ، وفي الوقت الذي إذا أوردت لهم أقوالاً لأبي حنيفة في مسائل عقدية من مسائل التوحيد مثل إثبات الصفات لله تعالى من غير تشبيه ولا تعطيل وإثبات صفة علو الله على خلقه واستواؤه على العرش (والإمام أبو حنيفة يفتي بأن من يقول الله في كل مكان فإنه يكفر) وإذا أوردت لهم من مذهب أبي حنيفة تحريم التوسل الممنوع والبناء على القبور وتحريم تقديم العقل على النقل ووجوب زكاة حلي المرأة .. وغير ذلك من المسائل لما أخذوا بها !! مما يبيّن لك أن المواقف بني كثير منها على الهوى – والهوى يعمي ويصم –
والموفق من وفقه الله تعالى ...