الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

بين (الشعبيين) و (الشيوعيين) (1 / 2)

أرسل إلي أحد الأفاضل وقال لي : لماذا تتحدثون عن الشيوعيين والعلمانيين والليبراليين في ردودكم على من يصرّ على التعديلات الدستورية المقترحة في حرية المعتقد وزواج التراضي وغيرهما بين الجهة الأكثر إصراراً عليها هو (المؤتمر الشعبي) ؟!

أجبته بأنه يوجد في أتباع المؤتمر الشعبي من يلتقي مع هؤلاء في عدة جوانب، خاصة وقد كثر دعاة الطعن في رواة الأحاديث والطعن في بعض الأحكام الشرعية الثابتة بين (الشعبيين) .. لذلك رأيت أن من المناسب إعادة نشر هاتين الحلقتين، والتي نشرت سابقاً بعنوان : (المؤتمر الشعبي وتبريرات التحالف مع الشيوعيين)
قرأت لقاءً من ثلاث حلقات نشر بصحيفة (آخر لحظة) أيام السبت والأحد والإثنين الماضية مع مسؤول التنظيم بحزب المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي، وفي الحلقة الأولى من تلك الحلقات تحدث وأجاب عن أسئلة وجهت له بشأن تحالف المؤتمر الشعبي مع الحزب الشيوعي الذي نشر خبره في الأيام الماضية ، وقبل أن أعلق على ما قاله السنوسي أمين التنظيم بالمؤتمر الشعبي في هذا الأمر فإني أنقل هذه العبارات التي قالها في اللقاء :
قال السنوسي : (نظمنا هذا المؤتمر لنؤكد أننا لدينا مبادئ نريد التركيز عليها لقواعدنا حتى تلتزم بها آنياً ومستقبلاً) وقال : (هذه هي المبادئ التي أردنا ترسيخها في أذهان أعضائنا لتنداح بعدها إلى المجتمع.) وقال : (المخرج الثاني اعتمد على أننا كحركة فكرية لابد أن نثقف أعضاءنا بالأفكار، فنحن ليس حزباً يتبعه أفراده تبعية عمياء.. لأن به طلاب مثقفون وأصحاب شهادات عليا لا يغريهم في الحزب إلا الأفكار.) وقال : (الورقة الاجتماعية اعتمدت على تصورنا في كيفية هداية المجتمع لربط دنياهم بآخرتهم لتحسين معاشهم، وهذا هو الفرق بيننا والأحزاب الأخرى التي تريد أن تقف على الدنيا فقط، ونحن حركة إصلاحية لتغيير العادات غير السليمة في المجتمع بالأمر بالمعروف) وقال : (نحن في المؤتمر الشعبي نعتبر المؤسسين للحركة الإسلامية وبرامجها منذ العام 54 ونطرح البرامج حسب تطور السودان وما يحتاجه أهل السودان، هذا ما نقدمه نحن كمعارضة للدولة، وبالتالي نعتقد أن ما نقدمه أكثر رشداً والتصاقاً بالشعب).
أردت بنقل هذه العبارات السابقة عن مسؤول التنظيم بالمؤتمر الشعبي بيان أنهم يرون أنهم يطرحون أفكاراً ، وينطلقون من مبادئ ، ويسعون إلى كسب مؤيدين يقتنعون بهذه المبادئ.وبناء على ذلك فإن كل عاقل يعلم أن الشخص إذا كان يدعي أنه يسير على (مبادئ) (ثابتة) ، ويدعو لها ، لاقتناعه بها ، فإن على منظري المؤتمر الشعبي أن يضعوا النقاط على الحروف ويجيبوا عن التناقضات التي يقعون فيها ، والتي تبرز في مواقفهم في عدة قضايا وتجاه أشخاص كثيرين، وليأخذوا على سبيل المثال القضية المطروحة في الحلقة الأولى لحلقات هذا اللقاء والتي لقيت أصداء كثيرة في الأيام الماضية وهي (تحالف المؤتمر الشعبي مع الحزب الشيوعي).
فالسنوسي يؤكد أنهم من أسسوا الحركة الإسلامية منذ عام1954م ، وإننا نعلم أن موقفهم من الحزب الشيوعي فكرياً كان أم سياسياً هو من الأمور الواضحة المعلومة، فالنقاش وحلقات الأركان والندوات كانت تبرز ذلك والصحف كانت تنشر ذلك، بل إن الذي بينهم وبين الشيوعيين أدى إلى تشابك الأيدي والاقتتال بين بعض (الأفراد) المنتسبين مما شهدته بعض ساحات وداخليات الجامعات... فيا ترى ما هو الجديد ليتغير الموقف إلى ما نشاهده ؟!
إن كان السنوسي وحزبه لديهم أفكاراً وتوجهات ومنهج يرون نشره بين الناس فعليهم أن يجيبوا عن أسئلة تكثر بهذا الصدد ، منها : من يا ترى الذي تغير ؟! أم أن الشيوعيين هم الذين تغيروا ؟! وقد حاول السنوسي أن يجد (المبررات) لهذا التناقض الواضح في اختلاف المواقف بالاتفاق مع ألد الأعداء ، فإلى مبرراته التي ذكرها في اللقاء :
(س :ما هي شرعية التحالف مع الشيوعيين وهل أصبح همّ المؤتمر الشعبي الوحيد هو إسقاط النظام؟) : فأجاب بقوله : (نحن جزء من الشعب السوداني والشيوعيون أيضاً جزء من الشعب السوداني).
قلت : والسلفيون جزء من الشعب السوداني ، والمؤتمر الوطني جزء من الشعب السوداني والنصارى جزء من الشعب السودان!! مثلاً .. فتعليق الاتفاق على أنه بسبب ما جاء في وصفه أنهم (جزء من الشعب السوداني) لا يسعف مسؤول التنظيم في التبرير لهذا الاتفاق الذي يتعارض مع المبادئ التي كانوا عليها ، ثم قال : ( فالشيوعية نفسها قامت في روسيا لإصلاح الشعب الروسي، لكن دخلت عليهم من باب الإلحاد والهجوم على الدين وكان ذلك سبب فشلها)
قلت : وبهذه العبارة فإن السنوسي قد حكى عدم معرفته وإلمامه بالأسباب الحقيقية لفشل الشيوعية في بلادها ومسقط رأسها ، إذا كان قد قال إن الشيوعية فشلت في بلاد المسلمين بسبب إلحادها ربما كان يكون لكلامه وجهاً يقبل به ، لكن أن يدعي أن الشيوعية فشلت في روسيا البلد الذي قامت فيه بسبب الإلحاد فهذا كلام مردود ، وخطأ شنيع ، فالروس لم يكن عذابهم من الشيوعية بسبب الإلحاد فغالبيتهم لم يتضرروا بذلك لحالهم وعقيدتهم ، وإنما هم قد تعذبوا بسبب النظرية (التالفة المتهالكة) الشيوعية التي تقوم على مبدأ الملكية العامة وإلغاء الملكية الفردية، ومصادرة الحرية الاقتصادية، وفي أبسط مختصرات كتب الاقتصاد الإسلامي يدرس الطالب المبتدئ في هذا العلم المقارنة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الشيوعي والرأسمالي ، ويقف على أذى النظرية الشيوعية في سياسة المال، فهي نظرية تقتل الإبداع والاجتهاد مما يتضرر به جانب تنمية الاقتصاد، ولا تلبي غريزة النفس وحاجتها وحرصها على التملك وهذا من اهم حوافز إنعاش الاقتصاد، فهي نظرية (بالية) في ذلك (تالفة) كتلف فكرها الإلحادي وتحليلها التاريخي وفلسفتها في المادية وغير ذلك من الظلمات التي كان يخطب فيها ويبصر بشأنها السنوسي وإخوانه وشيخهم الترابي قبل سنوات ليست بالكثيرة !!
ثم قال : (ما تركته الشيوعية لإصلاح الشعب الروسي هو إنساني لا يمنع المسلم أن ينشد الحكمة أينما وجدها).
قلت : سبحان الله !! تذكرت قول حذيفة رضي الله عنه : (إن الضلالة حق الضلالة : أن تعرف ما كنت تنكر وأن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون فإن دين الله واحد) ، فأي حكمة تركتها الشيوعية ؟! (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) ليفصح (الشيخ) السنوسي في إبراز ميزة أو ميزات للشيوعية قامت عليها أو تركتها ؟! وإن كان شيء من ذلك وجد أليس في ديننا الدلالة على كل الخيرات ؟!  ثم أليست المبادئ الشيوعية معلومة لدينا وهي تتعارض مع الشريعة الإسلامية وأحكامها ؟! أين هتافاتكم : (لا ولاء لغير الله)؟! وأين هتافكم : (ولا تبديل لشرع الله) ؟! وأين قولكم : (شريعة سريعة ولّا نموت الإسلام قبل القوت)؟! وأين قولكم : (نحن للدين فداء ) و(في سبيل الله قمنا ).
وأين تلك الشعارات التي من أبرز معانيها : الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإنشاد الحق فيهما وابتغاء الحكمة منهما ؟! فقد تبدل الحال وأصبحت الحكمة ترجى مما خلفته وتركته الشيوعية الماركسية اللينينية التي ضاق بها ذرعاً أهل الديار التي نشأت فيها قبل غيرهم !!
ثم قال : (والرأسمالية أيضاً تركت تراثاً إنسانياً) قلت : والرأسمالية يتأذى منها أهلها أيضاً وقد ظهرت ولاحت علامات سقوطها الذي سيكون بإذن الله مدوياً أكبر من سقوط جدار برلين، فهي قائمة على الربا وإهلاك الفقراء بزيادة فقرهم ، وجشع الأغنياء وما نتج عن مناهجها المعلومة، وهل في الرأسمالية إيجابية وهذه الإيجابية التي تدعى لم يدلنا شرعنا الكامل الخاتم عليها ؟! وقد قال الله تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
ومن العجائب أن هذا الكلام يقال وينشر في وقت تنشر فيه دراسات كثيرة تميز سياسة الإسلام في المال والاقتصاد وروعة تشريعاته في ذلك من ناحية ما أحل وما حرم من البيوع والعقود ومقارنة ذلك بالأنظمة العالمية الأخرى وطغيانها بجوانب على حساب جوانب أخرى، والنتائج ما نشاهده وما نعيشه من ضحايا هذا الفساد ، وأما عقائد وأخلاق الأنظمة الرأسمالية والشيوعية فهي مما لا ينبغي أن تكتب فيه كلمة لوضوحه وجلائه،
ثم قال السنوسي : (والعالم الشيوعي والرأسمالي قال لا سبيل للحرية إلا بمبدأ الرأي والرأي الآخر) وهل وجد السنوسي في سياسة الشيوعية الاعتراف بحق الآخر في سياسة المال ؟! وهذه نقطة واضحة جداً في بيان عدم الاعتراف بالآخر وإلغاء الحرية، فليفصح لنا السنوسي عن الحرية التي يقصدها، أو ليجرد الشيوعية من أبرز مبادئها التي قامت عليها بشأن الملكية، ثم قال : (والقرآن ذكر «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»).
قلت : والقرآن أمر بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وأمر بتحكيم توجيهاته، وأمر بالبراءة مما يخالف نصوصه، وأمر بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، والحرية في الإسلام والقرآن مقيدة بأن تكون على وفق ما يرضي الله تعالى، وليس هناك إكراه في الدخول في الإسلام لكن الإسلام أكمل التشريعات (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) والإسلام شرع تشريعات لمن يدخل فيه ومن ذلك أنه أمر بقتل المرتد عن الإسلام بعد أن دخل فيه، وغير ذلك مما يجب الأخذ والعمل به، والإسلام حذر أتباعه من أخذ بعض الكتاب وترك البعض (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) .
ثم قال السنوسي : (هذا تحالف من أجل إصلاح أحوال السودان، فالحزب الشيوعي يريد حرية ما المانع من اتفاقنا؟)
قلت : ولماذا يا ترى لم تتحالفون معه في السابق إذا ؟!ثم من أين لك هذا الجزم وهو لم يسبق له أن يطبق هذه المبادئ ؟! ونحن نعلم أن مبادئ الشيوعية فشلت في بلادها ومنشئها، وقد قامت في بعض جوانبها على إلغاء الحرية !! فكيف تدعو الشيوعية إلى حرية ؟! إلا إن كان الحزب الشيوعي السوداني لم يبق له من مبادئ أصله و(والده) الحزب الشيوعي الروسي شيء يتبعه فيه !! فقد قال السنوسي إنهم يصومون ويصلون كما سيأتي !! إذاً هم قد تنكروا لأبيهم الروسي في دعواه : الإلحاد وأن الدين أفيون الشعوب وغيرها، كما تنكروا له أيضاً في إلغاء الحرية الاقتصادية كما أفاد السنوسي في دعواه أنهم ينادون بالحرية ، فعلى ماذا هو حزب شيوعي إذاً؟!
ثم قال : (ويريد ديمقراطية ما المانع؟ ويريد رفع الظلم ما المانع؟)
قلت : وما الذي تغير من كلام الشيوعيين في هذا الجانب حالياً حتى يكون هذا من مبررات هذا التحالف المضحك ؟! فهل اختلف قولهم الشيوعيين الذي ساقه السنوسي هنا عن قولهم في الستينات والسبعينات والثمانيات ؟! ثم ما هو ثقل الشيوعيين في بلادنا ؟! إنهم في العهود السابقة كانوا لا يظفرون إلا بثلاثة أو أربعة مقاعد وحالهم الآن بما نعلمه ونراه ليس كحالهم السابق، خاصة فيما نعيشه من وعي إسلامي كبير وتصحيح لكثير من القضايا، لدى أفراد المجتمع بمختلف توجهاتهم وأعمارهم ..مما يبين انهم أسوأ مما كانوا عليه.
وأواصل في الحلقة القادمة إن شاء الله