الجمعة، 28 أبريل 2017

board

بين (الشعبيين) و (الشيوعيين) (2 - 2)

أرسل إلي أحد الأفاضل وقال لي : لماذا تتحدثون عن الشيوعيين والعلمانيين والليبراليين في ردودكم على من يصرّ على التعديلات الدستورية المقترحة في حرية المعتقد وزواج التراضي وغيرهما بين الجهة الأكثر إصراراً عليها هو (المؤتمر الشعبي)؟!

أجبته بأنه يوجد في أتباع المؤتمر الشعبي من يلتقي مع هؤلاء في عدة جوانب، خاصة وقد كثر دعاة الطعن في رواة الأحاديث والطعن في بعض الأحكام الشرعية الثابتة بين (الشعبيين) .. لذلك رأيت أن من المناسب إعادة نشر هاتين الحلقتين، وقد نشرتهما سابقاً بعنوان: (المؤتمر الشعبي وتبريرات التحالف مع الشيوعيين)، وكان وقتها إبراهيم السنوسي هو أمين التنظيم ــ وأواصل تتمة التعليقات على ما ذكروه في تبريرات تحالفهم مع الشيوعيين : ثم قال السنوسي : (فالشيوعيون لم يعودوا هم الذين كانوا في روسيا وليس هم من يقولون الدين خرافة وغيره من أفكارهم، فهم الآن يصلون معنا وينادون بمبادئنا، نحن نريد تحالفاً مع كل القوى السياسية للإصلاح). قلت: وهل هذا الكلام يوافق عليه الشيوعيون؟! وهل هو الواقع؟! عن نفسي أتمنى أن كل من ينتمي لهذا الحزب يصلي ويصوم ويؤدى الفرائض ويتقرب إلى الله بالنوافل، لكن هل يمكن أن نقول إن الحزب الشيوعي السوداني لا يتبنى الإلحاد بناءً على تصرف بعض الأفراد المنتمين له أو أكثرهم؟! وأنه لا يقر أباه الروسي في أصول فكره وماديته؟! وهذا أمر يحتاج لتوضيح من الجهة التي لا يصح التوضيح إلا منها، ولا أظن أن السنوسي يمثل تلك الجهة وإن كانوا في مرحلة تحالف !! وأنا أعرف شيوعيين لا يصلون ولا يصومون وقد بلغوا من العمر ما بلغوا أسأل الله لهم الهداية . وإذا كان الشيوعيون يصلون ويصومون كما يقول السنوسي فما هي نظرتهم لدين الإسلام وأحكامه وتشريعاته وتوجيهاته؟! وهل موقفهم يوجب على المسلم براءة منه؟! هذا مما كان على السنوسي أن يذكره بتفصيل ليبرر لأتباعه ما أقدموا عليه من تحالف مع الشيوعيين.
ثم قال مسؤول التنظيم بحزب المؤتمر الشعبي في سياق تبريراته لتحالفهم مع الشيوعيين: إجابة على سؤال صحيفة (آخر لحظة): (إذاً الشيوعيون في السودان الآن يؤمنون بالله واليوم الآخر؟) فأجاب : (الإيمان في القلب.. أنا أتحدث عن «الظاهر» والظاهر أنهم يريدون حرية وديمقراطية، وهذا ما يجمعنا معهم). قلت : قوله: الإيمان في القلب هو (حيدة) عن الإجابة التي يجب أن تكون واضحة وضوح السؤال، فالإيمان قول وعمل واعتقاد، فنطق الشهادتين من الإيمان والصلاة من الإيمان وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان وتحكيم الشرع من الإيمان و(موالاة الله ورسوله) من الإيمان، و(عدم تبديل شرع الله) من الإيمان، والبراءة من المذاهب الهدامة من الإيمان ...خاصة التي قامت في أصلها باعتبار أن الدين أفيون الشعوب!! وغير ذلك!! وقوله: (إنهم يريدون حرية وديمقراطية)، فقد سبق بيان أن من أبرز مظاهر الاشتراكية الشيوعية هو التسلط على الحريات الفردية والمنع من التملك الفردي بدعوى (الملكية العامة)، وهو شيء يتعلق بأخص خصوصيات الإنسان وهو (ما يملكه وما يقتنيه) وثمرة جهده وتعبه، وقول السنوسي عن الشيوعيين (وهذا ما يجمعنا معهم) يتناقض بجلاء مع قوله في نفس الحوار وبذات الصفحة: (لماذا الإصرار على أنه تحالف؟ إنه اتفاق وتآلف فكري، بالحوار يمكن فعل كل شيء، الرسول صلى الله عليه وسلم تحالف مع بعض قبائل قريش الكافرة وأسلمت فيما بعد، فهذا التقارب الفكري هو الذي سيقود إلى أسباب الهداية). أقول: فليثبت السنوسي على جانب واحد من هذه الجوانب ولا يأتي بهذه المتناقضات!! هل الأمر هو (تحالف) كما كرر كثيراً في هذا اللقاء وأنه اجتماع و(تآلف فكري) على أمور مشتركة وهو الواضح المعلن منهم ؟! باعتبار أنهم والشيوعيين قد التقوا، نتيجة لتقدمهم كما في تصريح شيخهم الترابي الذي سيأتي، أم أنه طريق وسبيل للتقارب مع الشيوعيين لأجل (هدايتهم) كما يشير أيضاً السنوسي هنا؟! فقد (تناقضت) التبريرات تناقضاً جلياً حتى إنه ليبعث الشفقة على من صدرت عنه تلك التناقضات الواضحة فضلاً عمن يراد إقناعه من الأتباع و(المتعاطفين) المستهدفين بهذه التبريرات، ثم إنه إن كان كما يقول إنه (بالحوار) يمكن فعل كل شيء، فيمكن الوصول لكل شيء ومع ألد أعداء الأمس (الذين كانوا خصوماً في المنابر بالألسن، وخصوماً بالتشابك بالأيدي وبضرب العصي والسيخ!!) ، فلماذا لا يكون ذلك مع من هم أقرب إليكم في (أفكاركم) ؟! فما يجمعكم بمن تفجرون في خصومتهم الآن (خصماء اليوم أصدقاء وإخوة الأمس) أكبر بل لا يقارن بما يجمعكم بخصومكم السابقين (أعداء الأمس حلفاء اليوم).. ثم التناقض الآخر في قول السنوسي : (فهذا التقارب الفكري هو الذي سيقود إلى أسباب الهداية) وقوله أيضاً : (إذا افترضنا أن الشيوعيين كفار من الذي سيهديهم إلى الدخول إلى الإسلام؟ نحن كحركة وإسلاميين هذا هو دورنا ). قلت : إذن هو يبرر لهذا (التحالف) والاتفاق بأنه سيقود إلى (هداية) الشيوعيين، وقد علقت سابقاً على قول السنوسي : (فالشيوعيون لم يعودوا هم الذين كانوا في روسيا وليس هم من يقولون الدين خرافة وغيره من أفكارهم، فهم الآن يصلون معنا وينادون بمبادئنا..) وقال أيضاً : (زُج ببعض من إخواننا في سجن كوبر، وكان معهم صديق يوسف عضو اللجنة المركزية بالشيوعي فعندما رأوه نفروا منه وابتعدوا، إلا أنهم رأوه يصلي وحده فجعلوه إماماً لهم فيما بعد،) ، إذاً أيُّ هداية يريد السنوسي أن يصل الشيوعيين بها؟! طالما أنه يقول إن الشيوعيين يصلون معهم و(ينادون) بمبادئهم، بل ويؤمّون في الصلاة بعض (إخوانهم) ؟! بل إن السنوسي ذهب لأكثر من ذلك عندما قال : (ما تركته الشيوعية لإصلاح الشعب الروسي هو إنساني لا يمنع المسلم أن ينشد الحكمة أينما وجدها) فالسنوسي يلتمس (الهدى) من الشيوعية في بعض الجوانب، وقد سبق في الحلقة الماضية التعليق على قوله هذا، وهو يناقض ما قاله في العبارة السابقة، فهو يشهد أنهم ينادون بنفس مبادئهم وفي ذات الوقت يبرر بأنهم يسعون لهدايتهم!! مما يوضح تهافت هذه التبريرات وتناقضها، وعدم واقعيتها. ثم قال : (ومن تحدث عن تحالفنا مع الشيوعيين هو المؤتمر الوطني وقصد به التشويش وعزّ عليهم أن يروا هذا التحالف). قلت : ليس هو المؤتمر الوطني فقط وإنما تناول هذا التحالف كثير من الناس من غير المؤتمر الوطني، وإن كان لم يعد من المستغرب لدى كثير من الناس أن يصدر عن حزب المؤتمر الشعبي أو غيره من كثير من السياسيين في بلادنا مثل هذه المواقف، لكن الاستغراب كان يعود لعدم جدوى هذا التحالف مع حزب ليس له من الوجود أو التأثير شيء يذكر !!! أو شيء ينتفع به من يتحالف معه لتحقيق هدفه وهو الوصول للسلطة، فإن المبادئ الشرعية والثوابت الدينية لا تراعى في مواقف هذا الحزب ولا في تصريحات بعض قيادته ومنظّريه ، ولكن (الضياع) في تقدير الأمور وصل لهذه الدرجة، إذ بلغ بهم الحال للتحالف مع الشيوعيين هو ما استغرب له كثير من الناس كما استغربوا لتهافت التبريرات لهذا التحالف الذي لم يراعِ الأتباع، فضلاً عن غيرهم من الخصوم وغيرهم !! وهذا الموقف يذكرني قول أحد العلماء المنشور قديماً في رده على آراء مؤسس هذا الحزب عندما قال: (إنه لم يفلح في محاربة ما سمّاه الشرك الشعائري التقليدي، كما أنه لم يفلح في ما أظهر أنه يجيده وأنه متفرغ له وهو ما يسميه : الشرك السياسي) . أقول : إن مواقف بعض الشعبيين تلتقي مع الشيوعيين واليساريين والعلمانيين، خاصة في الموقف من بعض التشريعات الإسلامية والأحاديث النبوية ورواتها، وساحات الصحف وبعض القنوات وساحات الجامعات تشهد بذلك ، فوجب الحذر من أفكار تطعن في ثوابت الدين باسم الدين والله متم نوره ولو كره من كره وأبى من أبى وأعرض من أعرض!!