الأحد، 26 مارس 2017

board

ألا فلتوقف (مهازل) الكلام في الدين بغير علم

مًرٌّ أن نرى تنافس كثيرين وتسارعهم وتسابقهم في الكلام في دين الله بغير علم، فوضى حقيقية ومحزنة نعيشها هذه الأيام خاصّة بعد الجدل الذي وقع بسبب التعديلات المقترحة .. وكم رأينا من الجرأة على الكلام في الأحكام الشرعية ممن هم ليسوا بأهل لذلك .. وهذا واقع محزن يزداد شره كل يوم .

كُتّاب على صفحات الصحف ينشرون جهالات وخرافات وما لا يثبت ويصح ، مقدمو برامج يمارسون دور الفتوى في كل القضايا بلا استثناء .. يتكلَّم في دين الله (رويبضات) بمحض العقول والاستحسانات، والعواطف، والمكايدات .. تصدّر مفتون بالباطل وليسوا بأهل للفتوى للحديث عن دين الله وأحكام شرعه.
ولطالما كانت الساحة يرتع فيها أعداءٌ للسنة وخصوم لامتثال النصوص الشرعية وضعاف في العلم،  فلا بد أن يكون لكثير من أولئك ما ينشرونه وبعضهم يتحدث عن أحكام شرعية دون أن يجمع ما ورد فيها ، وقد يخبرك عن نفسه في ترجمة موجزة لمّا يأتي مقرراً للخرافات والخزعبلات التي تبيّن أمرها للجهال قبل أهل العلم.
أدعو في هذا المقال لأن توقف هذه المهازل ، ويردع كل من يتكلم في القضايا الشرعية بغير بينة ولا أدلة شرعية ، وهذه مسؤولية جهات عديدة، فإنه لا يتحدث في الطب أو الهندسة أو علم الاقتصاد أو الزراعة .. وغيرها من العلوم والتخصصات إلا المتخصصون فيها .. ولو تكلم فيها غير المتخصص لأنكر عليه الصغير قبل الكبير والجاهل قبل العالم .. إلا أن هذه القاعدة ليست مطردة في أعظم علم وهو دين الله تعالى وأحكام الشرع والدين ، فحفظ الدين هو أعظم الضرورات الخمس التي جاءت كل الشرائع بحفظها .. ومع ذلك فقد تساهل الكثيرون في الجرأة على القول على الله بغير علم ، وشاركهم في ذلك من يصغون إليهم ويأخذون بأقوالهم التي لم تبن ولم تقم على العلم الصحيح ، والمورد السليم والصحيح لأخذ العلم هو : كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
كثر الإفتاء في الدين بغير علم ، وتساهل الكثيرون في الكلام في مسائل من الشرع دون بينة أو برهان، ولم يعد الخوف من الله جل وعلا من خطورة القول عليه بغير علم  عند الكثيرين، وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) سورة الحاقة..
فالقول على الله بغير علم (جريمة نكراء)  ، من كثرتها وانتشارها أصبحت لا تستغرب !! أو لا تنكر من الكثيرين !! في المجالس العامة وفي المواصلات .. وفي مكاتب العمل .. وفي الصحف وفي البرامج التلفزيونية والإذاعية .. وغيرها .. وفي فضاء (الانترنت) حيث ساحات المنتديات والفيس بوك والتويتر وغيرها..  وربما أصبح أشخاص بعينهم لهم نصيب أكبر من هذه الجريمة ..يساعدهم في ذلك سهولة النشر عبر وسائل الإعلام التي يفرح أصحابها بمثل تلك الآراء (الشاذة) ، صحافي – أو صحافية - يتحدث عن قضية شرعية لها أدلتها ونصوصها التي لا يحسن قراءتها فضلاً عن المعرفة الصحيحة بمعانيها و(محلل سياسي) يحلل موقفاً تأريخياً لم يصح ثبوت سنده ، فينقش ويزخرف حيث لا يوجد عرش !! وعقلاني يحلل ويحرّم بمحض عقله الذي لا يستوعب المسألة وما ورد فيها !! وزعيم حزب سياسي أو ناطق باسم حزب يصدر نفسه للكلام في ثوابت من الدين لفتاً للأنظار على غرار (أنا هنا !!!) أو انتصاراً لموقف سياسي أو لكسب رخيص، يهرف ويناقض أموراً أجمع عليها علماء المسلمين، ويخرج على الناس بين الحين والآخر بـعضهم بـــ (تصريحات) شبيهة بتصريحات المسؤولين في شكلها !! لأنه لا يورد علماً وإنما يورد مواقف، يناقض بها ثوابت شرعية، خاصة قضايا المرأة حيث يرى أن الحديث في هذا الشأن يعطيه من (المنزلة) ما لم يحققه بوسائل أخرى !! وآخر أشرب حب عداء السنة وأهلها يضع نفسه موضع الناقد لمصادر الشريعة وثوابتها وأحكامها، ويحكي عن نفسه رحلة (تيه) وضياع وجهالات في زمان انتشر فيه العلم وكثرت وتعددت فيه وسائل المعرفة ..
وفي الصحف العجائب ! وفي القنوات فظائع : من (دجّال) و(خرافي) وآخر يجمع المختلفين حتى تثار الفتن ويروج للباطل ولا ليصل الناس إلى الحق ..!! ومقدم برنامج تقمّص ثوب المصلح والثائر على الفساد وواقعه أنه داعية فساد من الطراز الأول -لا يشق له غبار !! – يعادي السنة على الملأ، ولو استفتى عن نفسه بأية وسيلة مناسبة لعرف قدره بين الناس !!
إن القول على الله بغير علم (جناية وجريمة خطيرة) ، وأدلة بيان أنها جرم عظيم كثيرة، منها قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) سورة الأعراف. وقد توقفت الملائكة عن القول على الله بغير علم تأدبت مع ربها وخالقها قال الله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) سورة البقرة. ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام حذر أمته بالقول والعمل من ذلك، فقد كان ينتظر الوحي حتى ينزل عليه في مسائل كثيرة وآيات كثيرة في كتاب الله ابتدأت بقول الله تعالى : (يسئلونك...) وقد أبلغ عليه الصلاة والسلام في التحذير من المفتين بغير علم، من المتساهلين في الكلام في الدين بغير بينة، فقد حذر من الأئمة المضلين ومن علماء السوء، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْناسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ»، وقد سار أهل العلم على مقتضى ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة في هذا الأمر كما هو حالهم في غيره، وعظموا هذه النصوص والتزموا بها، وبينوا صفات من يحق له أن يتكلم في هذا الدين، وبينوا مَنْ الذي يحق له أن يتحدث في الأحكام الشرعية وفي الحلال  والحرام، وكلامهم في ذلك مشهور وكثير اكتفي بذكر إشارات تدل عليه:
جاء في مقدمة الإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ لصحيحه عن التابعي الجليل محمد بن سيرين  ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». وثبت هذا الكلام عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله، ذكره القاضي عياض في (ترتيب المدارك).
هكذا يوصي الأئمةُ المسلمين عموماً بهذه الوصية العظيمة المهمة في قولهم: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَه» أي:
فانظروا إلى من هو أهل لذلك قد تحقق به وأخذ هذا العلم عن الثقات في عقيدتهم ودينهم وسيرتهم فيؤخذ عنه.
قال الإمام مالك رحمه الله كما في (ترتيب المدارك) : «ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعلياً وعلقمة وخيار الصحابة، كانت ترد عليهم المسائل، وهم خير القرون، الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألون حينئذٍ ثم يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يفتح من العلم...».
والواجب على المستفتي والسائل والمتلقي أن يحتاط لدينه فلا يأخذه من أهل الشبهات أو الأهواء أو البدع والضلال ..
ألا فلتوقف هذه (المهازل) ، فإنها من أشد الجرائم .. وإن القول على الله بغير علم من الموبقات العظيمة، والوعيد يشمل الواقع فيه ويتعدى إلى غيره في حال عدم الإنكار والاحتساب ..