الأحد، 24 أيلول/سبتمبر 2017

board

ما كُنّا ننتظره في مقترحات (الحوار الوطني)

بعد انفصال الجنوب ذي الغالبية غير المسلمة أصبحت بلادنا يشمل المسلمون فيها الأغلبية العظمى وبالتالي فإن هذا الوصف يقتضي ويوجب الاحتكام لمصادر الإسلام وأصوله وتشريعاته ، وهو ما كنّا نتوقعه في مخرجات الحوار الوطني ،

أما أن يكون من مقترحات الحوار الوطني السماح بحرية تغيير الدين وحصر عقوبة القتل في أمور محددة دون غيرها مما هو من الثوابت في الإسلام ، وأن يكون في مقترحات الحوار إجازة زواج التراضي بين الرجل والمرأة وما يشبه ذلك فهو ما لم يكن متوقّعاً !! والأدهى والأمر أن يتبنى الدفاع عن هذا (التشعيب) بإثارة هذه المسائل بعض المنتسبين لأحزاب إسلامية !! وبعض من يوصفون بأنهم أصحاب (مراجعات) فكرية ، وحُقّ لنا أن نصف بعضها بأنه حالات (اضطرابات سياسية ونفسية) وربما بعضها حالات فقدان مصالح شخصية !! أو مزايدات تنافسية أو هي من قبيل المكايدات الحزبية !!
لنأخذ أنموذجاً واحداً مما يثار هذه الأيام ويدّعي من يدافع عنه بأنه حريص على مصلحة (المواطن) وأنه ابن (الوطن) البار !! وقل غير ذلك في دعاوى الوطنية المزيفة !! الأنموذج هو (زواج التراضي) - وقد نشرت في الأيام الماضية بهذه الصحيفة ثلاثة مقالات بينت فيها الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية في إبطال ذلك – وأقول : هل الدعوة لتمرير تجويز (زواج التراضي) تنبع من اختيار أهل السودان ؟! من الذي يوافق بين أهل السودان على قول كهذا ؟! ومَن مِن فتيات السودان من ترضى ذلك ؟!
مما يوضح كلامي الذي هو واضح جداً أقول : في المجتمع السوداني إذا أراد (الرجل) الزواج فإنه يعتبر رضا والديه وأذنهما بل ، ورضا الأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم كالإخوة والأخوات ،خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.. ولا يقدم عليه إلا بعد قبولهم ورضاهم ،بل وارتياحهم وفرحهم وحماسهم .. فلا يمضي ويواصل السير إلا بعد الحصول على إذن الجواز والمرور ، فكيف بــ (الفتاة) التي تعيش في هذا المجتمع ؟!
إن هذه القضية وغيرها من القضايا (المتجزّرة) في مجتمعنا ، وإن مناطحة صخور الجبال الراسيات بقرون (العجماوات) رعونة وطيش في الحال وخيبة وهلاك في المآل .. وإن الخيبة هي مصير كل من يسلك هذا الطريق الوعر الذي يمس جانب الأعراض !! وعليه فإن الأسف الشديد هو حال كثير من الناس الآن أن يتمخّض مثل هذا الحوار بمقترحات تكون هذه النماذج من بينها وهي تصادم عقيدة ودين أهل السودان !! الذين يعلمون ويدركون أن (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) .. كما أخبر بذلك الصادق المصدوق النبي صلى الله عليه وسلم . قبل أربعة أشهر – وفي الأيام الأخيرة لـ(الحوار الوطني) - نشرت مقالاً بهذه الصحيفة بعنوان : (مساهمتي في الأيام الأخيرة للحوار الوطني) ، وقبل أن نعرف ما هي المقترحات التي تضمنها هذا الاقتراح كتبتُ ما يلي : (الجماعة رحمة) و(الفرقة عذاب) يردد هذه العبارة وما في مضمونها أئمة الإسلام ، وإن التأليف بين القلوب مهمة سامية ، ونعمة من الله عظيمة كريمة ، قال تعالى : "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" ، فإن فقد الإلفة نقمة .. يحزن عليها ويتألم لفقدها ..وحيث كان التنازع والتناحر والاقتتال عقبه الفشل والهوان قال تعالى : "ولا تنازعوا فتفشلوا" .. فالافتراق مذموم والتحزب للأشخاص والجماعات ممقوت شرعاً ، وعواقبه في إضعاف المسلمين لا تخفى مع ما ينتظر أهله من وعيد أخروي . والواجب الشرعي والفرض المؤكّد يقتضي أن يحرص المسلم على الاجتماع على الحق ويبغض ويبتعد عن الفرقة ، ويكون أداة من أدوات الوحدة ، ويسهم بقدر جهده وطاقته في ذلك ، ومن المعلوم لأولي الألباب وأهل العلم أنه لن تكون وحدة صحيحة وحقيقية إلا إذا اجتمع المسلمون على الكتاب والسنة ، فإن الآراء الشخصية والانفعالات العاطفية والولاءات السياسية والمصالح الدنيوية لا تجمع شملاً ولا توحّد صفاً ولا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ؛ بل هي من أبرز أسباب الفرقة التي يعيشها المسلمون ومن أهم أسباب الضعف والهوان ، فإن حال الأحزاب السياسية والفرق كما وصف الله تعالى : "كل حزب بما لديهم فرحون" .. فإن السياسة نراها تتقلّب وتدور مع المصالح الشخصية والأغراض الدنيويّة والتكتيكات الحزبية ، ونرى أهلها يدورون في فلك القاعدة الخطيرة (الغاية تبرر الوسيلة) !! فالغاية تبرر لهم الوسائل مهما كانت تلك الوسائل ، ولذلك فإنه من المؤسف أن يكون العرف في كثير من بلاد المسلمين أن تسهم ما يسمى بــ(المعارضة) في إضعاف الدولة وتفرح لدمار بلادها وسوء حالها وضياع أهلهم ؛ فقد تسهم في ذلك الدمار بطريق مباشر أو غير مباشر !! لأن ذلك سيكون من أسباب وصول تلك المعارضة إلى الحكم !! بل قد يكون – أحياناً - بفهمها هو الطريق (الوحيد) للظفر بالسلطة التي أصبحت غاية عند أهل السياسة وليست وسيلة عظيمة المسؤولية. وكم من بلاد عانى أهلها وضاقت سبل العيش على شعوبها بسبب تصرفات بعض أهلها ، وهذا الأمر يبين بجلاء أن الهدف من الحكم عند هؤلاء ليس هو كونه وسيلة لإسعاد الشعوب والوقوف معها ونصرة قضاياها والاجتهاد في أداء حقوقها ، وإنما الهدف هو المصالح الشخصية والحزبية لتلك الأحزاب ، ولست بحاجة لأن أضرب أمثلة أوضح بها ما أقول فإن هذه الحقيقة – للأسف – أوضح من أن يستشهد لها وتضرب لها الأمثلة.
إن من أهم عناصر تحقيق وحصول الاجتماع أن يتم التنازل للمصلحة العامة ، وترمى المصالح الخاصة والشخصية ، وهذا محكٌ من المحكّات المهمة التي يجب رعايتها ، فالمصلحة العامة إذا روعيت وقُدّمت كان هذا من أهم الأسباب المعينة على اجتماع الشمل وجمع الكلمة ، ويسجل لنا التأريخ الإسلامي روائع في هذا الباب ، وهو بلا شك مقام عظيم شريف يبين مكانة وشرف تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة ، وقد يصعب على كثير من الناس أن يحذوا هذا الحذو بسبب تفاوت الديانة والإيمان والعلم، وبسبب الركون إلى الدنيا وعقد الولاء والبراء على الفرق والأحزاب والتكتلات السياسية .. وغير ذلك من الأسباب .. لكن واجب النصيحة يوجب أن يقال هذا الكلام ، فلم نتعلم اليأس - ولله الحمد - ، ومحبة للخير لهذا البلد الكريم - الذي كثرت مصائبه وتواصل نزيفه المؤلم الموجع واشتدت معاناة أهله – أردت أن أقول ذلك.
إن على هذه الأحزاب أن تدرك أهمية الحرص على المصلحة العامة وأن تعلم مكانة الاجتماع وفضل الجماعة وليراجعوا مواقفهم ولينظروا في واقع بلادهم وليتفكروا في مستقبلها ومستقبل أهلها وما ستكون عليه أجيالها المتعاقبة.
أقول هذا وأنا أدين الله بأن هذه التحزبات السياسية والتحزب للأشخاص والجماعات من الباطل الذي أفسد في المسلمين كثيراً.. ولا أؤمن بالكذبة السياسية المسماة (الديمقراطية) فإنها مما ضحك به الكفار على بعض المسلمين ولو كان أهل الديمقراطية يطبقونها حقاً لما كانت المسلمة في بعض بلاد الغرب تدفع غرامة إذا غطّت وجهها !!
فلست مقراً لهذه التحزبات فضلاً عن ما يسمى بالمعارضة وأحزاب المعارضة ، فإن في الإسلام يكون الشخص واحداً من اثنين إما : إماماً حاكماً (راعياً) وإما محكوماً من الرعية ، وعلى الحاكم واجبات وله حقوق ، وعلى الرعية واجبات ولهم حقوق ، وعلى الحاكم واجبات يسأله عنها الله تعالى من الحكم بالشرع والعدل بين الرعية وغير ذلك ، وعلى الرعية السمع والطاعة في طاعة الله تعالى ، والنصوص الشرعية في ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم كثيرة جداً وقد كتبت مقالات عديدة في هذه القضية. ورغم ما ندين الله به في هذه الأمور العظيمة إلا أنه لا يمنع ذلك من حثٍّ على الاجتماع ونبذ الفرقة وأسبابها وكيف لا يُذكّر بهذا الأمر العظيم وهو أصل من أصول الإسلام العظام : أن الفرقة مذمومة والاجتماع يجب أن يجتهد في تحقيقه ، ولن يكون اجتماع إلا على الحق ، وعلى ما جاءنا في شريعة الله في الكتاب والسنة وعلى هدي محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو الصراط المستقيم .. الذي أوجب الله اتباعه ، وندعو في كل ركعة فنقول "اهدنا الصراط المستقيم" .. وقد حذّر الله تعالى من اتباع السبل والطرق قال الله تعالى : "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلك تتقون".
أتمنى أن يدرك المتحاورون في بلادنا في هذه الأيام الخير لأنفسهم ولدينهم ووطنهم.. ويعملوا بذلك .. ونأمل أن تكون التوصيات والنتائج في ما يعود علينا بمصالح الدين والدنيا والأمن والأمان والاستقرار .. والأمر كله بيد الله المالك المتصرّف فهو المستعان و(لا حول ولا قوة إلا بالله) ..
هذا ما كتبته قبل معرفة ما تضمنته مقترحات (الحوار الوطني) .. ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.