الأحد، 26 مارس 2017

board

تهافت الملاحدة (3)

وأعيد في بداية كل حلقة من هذه الحلقات وأقول : من كان يصدّق أن من بين شباب وفتيات هذا المجتمع المسلم يخرج بعض الشّذّاذ فيعلنون أنهم (ملحدون) !! وأنهم (لا دينيّون) ؟!! ومن كان يتوقع أن هؤلاء الشذاذ يجاهرون بذلك فيفتحون مواقع تواصل باسم (سودانيون لا دينيون) ؟!

فإنّ موجة إلحادية مدمّرة قد غزت بعض الناس من الذين لم يكن لهم التحصين العلمي أو الديني ما يواجهون به الشبهات أو الشهوات ، وبات الإلحاد خطراً جاثماً في مجتمعنا ، فاحتاج إلى التصدّي له ، ومن باب الإسهام في هذه القضية رأيت أن ألخّص بحثاً قيّماً أعده زميل الدراسة فضيلة الأستاذ الدكتور صالح عبد العزيز سندي أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية والمدرس بالمسجد النبوي ورئيس مركز (يقين) لمواجهة الإلحاد بعنوان : (الإلحاد وسائله وخطره وسبل مواجهته) ، فإنه بحث قيم وفيه تعريف موجز بالإلحاد وأسبابه وسبل مواجهته ، وبعد عرض ما يتيسّر من هذا البحث للتعريف بالجوانب النظرية ألقي الضوء على جوانب مهمة من واقع بعض من وقعوا فرائس للإلحاد في بلادنا ، حتى تتحقّق التوعية الواجبة في هذا الجانب الخطير ببيان وسائله وسبل مواجهته ، وفي هذه الحلقة والتي تليها أعرض أبرز النظريات التي تعتبر دعائم ومرتكزات للإلحاد.
مما ينبغي أن يعلم وينتبه إليه أنه ليس للفكر الإلحادي نظرية متكاملة تفسِّر كل الظواهر من البداية إلى النهاية ، وتجيب عن كل الأسئلة الحائرة، إنما يقدم الملاحدة للناس مجموعةً من الظنون والافتراضات التي لا تقنع عقلًا، ولا تشفي غليلًا.
وقد دعم الملاحدة فكرهم بنظريَّة علميَّة من هنا، ونظرية فلسفية من هناك، وجمعوا بين هذه وتلك، فخرجوا من هذا التلفيق بمنهج هجين مشوّه غير مقنع.
ومن خلال التتبع وُجد أن ما يقيم عليه الملاحدة منهجهم يرجع إلى مرتكزين:
الأول: نظريات علمية تجريبية.
والثاني: نظريات فكرية فلسفية.
ولا بد من بيان هذين المرتكزين كي يكون فهمنا للإلحاد دقيقًا وعميقًا.
المرتكز الأول: النظريات العلمية التجريبية.
 النظريات العلمية التجريبية التي يعتمد عليها الملاحدة هي بالاستقراء نوعان :
 الأول: نظريات علمية غير صحيحة، وكثير من تلك النظريات التي ملأت الدنيا ضجيجًا في القرنين الماضيين بدأت تخبو، لتحل محلها نظريات تتفق والحقائق الإيمانية الدينية؛ فالواقع يشهد أن النظريات العلمية الحديثة تبتعد عن الإلحاد وتقترب من الإيمان، في حين أن الدين ـ ولله الحمد ـ ثابت مستقر لا يتحول ولا يتبدل؛ لأنه وحي إلهي.
ثم إنه على تسليم صحة شيء من تلك النظريات؛ فإنها تبقى نظرياتٍ قاصرةً غير مستوعبةٍ ولا شافيةٍ، كما سيأتي التمثيل لذلك قريبًا.
الثاني: نظريات صحيحة، ولكنها لا تعدو ـ بعيدًا عن سُحُب تلبيساتهم ـ أن تكون نظريات تكشف عن أسباب ووسائط وعلاقات بين المخلوقات، ولكنها ليست تعليلًا لوجود الكون على هذا الوجه الدقيق الثابت القوانين بدون خالقٍ ومدبِّرٍ حكيمٍ عليمٍ كما يزعمون.
ومنشأ الخلل عند هؤلاء هو أنهم لم ينفذوا من الأسباب إلى مسبِّبها، ومن المخلوقات إلى خالقها.
من أهم تلك النظريات:
النظرية الأولى: نظرية داروين، وهي التي وصفها في كتابه أصل الأنواع، الكتاب الذي أصبح اللَّبِنة الأساسية لنظرية التطور الإلحادية.
وقد أقام داروين مدرسته على أساس أن الأحياء لم يُخلق كلُّ واحد منها خلقًا مستقلًّا؛ بل كان لها أصل واحد هو الخلية البسيطة، ثم أخذت تتطور وترتقي من طورٍ إلى طورٍ حتى نشأ الإنسان وبقية الكائنات، والطبيعة في ذلك كانت تختار الأصلح للبقاء، وهذا ما عبَّر عنه بمصطلح: الانتخاب الطبيعي أو: بقاء الأصلح.
وتجمع مدرسة داروين في ثناياها كبار ملاحدة العالم، الذين يرون أن الإنسان لا خالق له، وأنه وليد ملايين السنوات من التطور الطبيعي والنشوء والارتقاء بين الأنواع المختلفة.
وقد اهتم الملاحدة كثيرًا بهذه النظرية، لأنها في نظرهم النظرية الوحيدة التي يمكن بها تفسير الكون والحياة دون الحاجة إلى خالق، والواقع أنها نظرية هشَّةٌ ضعيفةٌ غير متماسكة، ولذا فقد اضمحلت وضعفت كثيرًا في عصرنا الحاضر.
ويمكن تلخيص أهم أوجه بطلان هذه النظرية -من خلال كلام العلماء والباحثين النقاد- في النقاط الآتية:
أولًا: أنها نظرية قاصرة؛ فهي لم تفسر جميع ظواهر الحياة في هذا الكون، إذ هي -مثلا- لا تقدم تفسيرًا لأصل نشأة الحشرات، مع أنها تمثل (80%) من مجموع الحيوانات؛ فهل تطورت تلك الحشرات أم بقيت على ما هي عليه، ولِم لم يجرِ عليها قانون التطور؟
 كما أنها لم تقدم تفسيرًا للطيور؛ فهل ما يطير من الحيوانات قد تطور؟ وماذا كان أصل هذا التطور؟
إلى أشياء أخرى ترجع إلى الأحياء قد أهملتها؛ فما قيمة نظرية لا تقوم بتفسير (90%) من الظواهر التي من المفترض أن تتناولها؟!
ثانيًا: عجز أرباب هذه النظرية وأنصارها عن بيان كيفية انتقال الحياة من جماد إلى كائنات حية؛ فإذا سألتهم: كيف وجدت الحياة فجأة من خلية جامدة إلى أنفس حية لها إحساس وعقل؟ يجيبك الملحد وتجيبك النظرية : بأن هذا التطور إنما حصل فجأةً! صدفةً!
ولا يخفى أن الصدفة ليست جوابًا علميًّا، بل هي جواب يصادم العلم كما سيتبين عن قريب إن شاء الله.
ثالثًا: أنه عند التأمل فيما اعتمدت عليه النظرية نجد أنها تنطلق من وجود تشابه بين الأحياء، ولذا قرر داروين أن أصل الإنسان قردٌ بسبب هذا الأمر.
ومن طريف ما يُذكر هنا ما أنشده الشاعر الملحد الزهاوي، حيث يفخر بأنه من نسل قرد هالك فيقول:
ما نحن إلا أقرُدٌ من نسل قردٍ هالكِ *** فخرٌ لنا ارتقاؤنا في سُلَّم المدارك!
أقول: مما تزعمه هذه النظرية: أن وجود الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان يدل على وجود تشابه بينهما، وهنا يُسأل أرباب هذه النظرية: لماذا لا يكون الإنسان متطورًا من فأر وليس من قرد؛ لأنهما يشتركان في كثير من الأمراض، كالسرطان مثلا؟!
ولا جواب عند هؤلاء.
ومن خرافات هذه النظرية أيضًا: الزعم بأن الأعضاء غير المستعملة تضمر بمرور الزمان، وتنتقل ضامرة إلى الأجيال القادمة، أما التي تُستعمل فتقوى وتتطور؛ ولذا يقولون: كانت عنق الزَّرافة طويلة لأنها محتاجة إلى أن تأكل من الأشجار فتمد عنقها، ثم تطور الأمر شيئًا فشيئًا حتى أصبح العنق طويلًا!
والسؤال الوارد عليهم: ولماذا لم تطُل عنق الماعز مع أنها محتاجة كذلك إلى أكل الأوراق من الأشجار، وهي تمد عنقها أيضا منذ آلاف السنين؟!
أيضا لا جواب!
 كما يذكر داروين أن أسلافنا كانوا ذوي شعر كثيف، وأنه عندما تطور وتحول هذا الكائن إلى إنسان سويٍّ: سقط كثير من شعره لعدم استعماله أو الحاجة إليه.
لكنه عندما جاء ليفسر عدم وجود الشعر عند النساء كما هو عند الرجال اعتذر بعذر عجيب؛ حيث زعم أن هذا ضروريٌّ لجمال المرأة وجاذبيتها!
وهذا الجواب من الممكن أن يُقتَنع به لو كان النظر للموضوع يصاحبه اعتقادٌ بوجود خالق حكيم؛ لكن هذا لا يقرُّ به الملاحدة!
أيضا حاول داروين أن يفسر وجود الشعر في منطقة الرأس من الإنسان، وعدم تساقطه مع بقية شعر الجسم الذي سقط في زعمه؛ فيقول: بما أن الرأس معرض كثيرًا للضربات؛ فقد كان من الضروري أن يبقى الشعر عليه!
يا لله العجب! فماذا عن الجبين والأنف، وهما يتعرضان لصدمات أكثر؟!
وماذا عن الشعور الداخلية في الجسم؛ هل كان وجودها لهذا السبب أيضًا؟!
باختصار: إنها نظرية هشَّة، متداعية.
 وأواصل في الحلقة التالية إن شاء الله .