الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

تهافت الملاحدة (4)

وأعيد في بداية كل حلقة من هذه الحلقات وأقول : من كان يصدّق أن من بين شباب وفتيات هذا المجتمع المسلم يخرج بعض الشّذّاذ فيعلنون أنهم (ملحدون) !! وأنهم (لا دينيّون) ؟!  ومن كان يتوقع أن هؤلاء الشذاذ يجاهرون بذلك فيفتحون مواقع تواصل باسم (سودانيون لا دينيون) ؟!

فإنّ موجة إلحادية مدمّرة قد غزت بعض الناس من الذين لم يكن لهم من التحصين العلمي أو الديني يواجهون به الشبهات أو الشهوات ، وبات الإلحاد خطراً جاثماً في مجتمعنا ، فاحتاج إلى التصدّي له ، ومن باب الإسهام في هذه القضية رأيت أن ألخّص بحثاً قيّماً أعده زميل الدراسة فضيلة الأستاذ الدكتور صالح عبد العزيز سندي أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية والمدرس بالمسجد النبوي ورئيس مركز (يقين) لمواجهة الإلحاد بعنوان : (الإلحاد وسائله وخطره وسبل مواجهته) ، فإنه بحث قيم وفيه تعريف موجز بالإلحاد وأسبابه وسبل مواجهته ، وبعد عرض ما يتيسّر من هذا البحث للتعريف بالجوانب النظرية ألقي الضوء على جوانب مهمة من واقع بعض من وقعوا فرائس للإلحاد في بلادنا ، حتى تتحقّق التوعية الواجبة في هذا الجانب الخطير ببيان وسائله وسبل مواجهته ، وهذه الحلقة والتي قبلها, هما في عرض أبرز النظريات التي تعتبر دعائم ومرتكزات للإلحاد، وكان في الحلقة الماضية الحديث عن نظرية (داروين) وصلتها بالإلحاد وفي هذه الحلقة بيان النظرية الثانية وهي : (نظرية الانفجار العظيم). وخلاصة هذه النظرية: أن أصل الخلق كان كُريَّة بسيطة ذات خلية واحدة، وهي صغيرة كرأس الدّبوس، كانت تسبح في اللازمان واللامكان، ثم انفجرت فجأة قبل (15) مليار سنة!  فنتج عن هذا الانفجار تكون هذا الكون بالتدريج.  فأصل هذا الكون كله إذن: رأس الدبوس هذا! والسؤال الذي سيبقى سوطًا يضرب ظهور هؤلاء الملاحدة:  من أين جاءت نقطة الدبوس هذه؟!  هذا ما لم يجيبوا عنه، ولن يجيبوا .ثم: لماذا كانت هذه الكرية ساكنة ثم قررت فجأة أن تنفجر؟! وما ميزة هذه اللحظة التي انفجرت فيها –بالذات- عن غيرها؟ ثم:  كيف يُنتِج انفجارٌ نظامًا بديعًا؟ وهل الانفجار يناسب النظام؟ ثم:  كيف أنتجت نقطةٌ من مادةٍ جامدةٍ حياةً وعقلًا ومشاعر؟.. ويجيب الملحد بأنه حصلت تفاعلات أنتجت خلايا اجتمعت فتكونت بعد الانفجار بهذا النظام البديع في كل شيء. وإذا سئلوا:  كيف حصل هذا الاجتماع للخلايا؟ وكيف وجدت الحياة من الجماد؟ أجابك الملحد ببلادة:  حدث هذا تلقائيَّا، وصدفةً! إن الصدفة عند الملاحدة:  ربُّ العالمين المكوِّنُ لهذا الكون!.. لأن كل الظواهر عندهم تُعلق بها؛ فبالصدفة وُجدت السماء، ووُجد الغلاف الجوي، وُوجد الضغط الجوي، ووُجدت الغازات، ووُجدت السحب، ووُجدت أرضٌ قابلةٌ للحياة، ووُجدت الأنهار، ووُجدت البحار، ووُجدت الأسماك، ووُجد الإنسان، ووُجدت أعضاء مناسبة لاحتياجاته؛ فوُجد سمع، ووُجد بصر، ووُجد قلب يدقُّ، ووُجدت كريات دم حمراء وكريات دم بيضاء بأعداد متناسبة، وفوق هذا وُجد العقل والأحاسيس؛ كل هذا حصل -عند الملاحدة- صدفة! لا يشك عاقل أن قانون الصدفة باطلٌ، ففي بدائه العقول:  لا يمكن أن توجِد الصدفة حقائق منتظمة. مثالٌ يوضح المقام:  لو قدَّرنا أننا وضعنا مجموعة قرود في غرفة، ووضعنا أمامهم آلات كاتبة وأوراقاً ليعبثوا بها، ثم عدنا بعد برهة من الزمن؛ فهل من الممكن أن نجد أمام كل آلة من هذه الآلات قصيدة غزلية رائقة تنافس قصائد كبار الشعراء؟! مثال ثانٍ:  لو وضعنا الآلة الكاتبة أمام طفل يعبث بها، ثم نظرنا في الورقة بعد حين؛ فهل يُعقل أن نجد أنه كتب معادلة رياضية من الدرجة الثانية!  وقام بحلِّها أيضا؟! مثال ثالث:  لو وضعنا في صندوق قصاصات صغيرة، مكتوب في كل واحدة منها حرف، ثم رُجَّ رجًّا شديدًا، ثم فتحناه؛ فهل يصدِّق عاقلٌ أن الحروف قد تجمعت فكوّنت خطبة حماسيّةً عظيمةً؟! مثال رابع:  لو رمينا حجارة خلف ظهورنا، واحدةً تلو الأخرى، فهل يمكن أن نجد إذا التفتنا بيتًا جميلًا؟! الجواب في كل ما سبق ـ عند كل عاقل ـ: (لا)، وأما عند الملاحدة فـ(نعم)!!.. وقد وجدت أن أحد الملاحدة وهو: إسماعيل أدهم الذي هلك سنة (1940م)، قد ألَّف كتابًا سمَّاه:  لماذا أنا ملحد، قرر فيه قانون الصدفة بحماس؛ فهو يقرر أن مَثل العالَم مَثل مطبعة فيها من كل نوع من الحروف الأبجدية مليون حرف، وقد أخذت هذه الحروف في الحركة والاصطدام، فتجتمع وتنتظم، ثم تتباعد وتنحل، هكذا في دورةٍ لا نهائيَّةٍ، فسيخرج كتاب أصل الأنواع الذي ألَّفه داروين، بل جميع المؤلفات ستأخذ دورها في الظهور خاضعة لحالات احتمال وإمكان في اللانهائية. هكذا "ببساطة"  يمكن ـ عنده ـ مع هذا الارتجاج لحروف المطبعة أن تخرج لنا جميع الكتب! وهذا القول ليس قول رجلٍ مصابٍ في عقله أو معتوهٍ، بل هو قول رجل كان حاصلاً على الدكتوراه في الرياضيات، ويجيد ثماني لغاتٍ، ومع ذلك يقرر هذا الكلام الذي ينكره أي عاقل -بل أي غبي- لكنه الإلحاد الذي يصيِّر الإنسان أغبى المخلوقات على الإطلاق. ثم إنني أقول:  إن كلامه فقط كافٍ في نقض إلحاده من أصله؛ فإنه يزعم إن هذه الحروف إذا تحركت واصطدمت فسوف تخرج كل الكتب؛ حسنًا .. لكن من الذي سيحركها؟!  إذ أنها تحتاج -في بدائه العقول - إلى محرِّك، وتحتاج إلى من يمدُّها بالحبر، وتحتاج إلى مكان يقبل اجتماع الحروف، وتحتاج إلى من يصفُّ الأوراق ويرتبها حتى تأخذ كل صفحة عددًا مماثلًا من الأسطر، ثم تحتاج إلى من يجلِّد هذه الكتب ويفصل بعضها عن بعض! إذن لم تكن الصدفة وحدها كافيةً في خروج هذه الكتب، بل لابد من قوةٍ، ولا بد من إرادةٍ، ولا بد من حكمةٍ، أي أنه لا بد من فاعلٍ قادرٍ حكيمٍ. وتأمل معي في مثال رمي الحجارة السابق:  لو استبدلنا الحجارة ببيض -مثلًا- هل سينتج رمينا ذلك البيت؟ الجواب بالتأكيد: لا . إذن فلا بد من تصميم ولا بد من حكمة. وهكذا ذرَّات الكون؛ إنما ضُمَّت إلى بعضها بحكمة، بحيث أنها إذا اجتمعت بطريقة معينة كانت ذهبًا، وإذا اجتمعت بطريقة معينة كانت ماءً، وهلم جرا. والعقلاء جميعًا متفقون على أن الصدفة لا تُنتِج نظامًا، ولا يمكن أن تُكرِّر نظاماً واحدًا، ولا يمكن أن تبرز فيها  –دائمًا- آثار القصد. إن الحقيقة التي لا تُجحد:  أن الملحد أغبى الناس في أهم قضية، وإن كان قد يكون ذكيًّا في غيرها، ورحم الله الذهبي إذ قال في آخر ترجمة ابن الراوندي الملحد الذي كان غاية في الذكاء:  لعن الله الذكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى. وبعيدًا عن هذه الأكذوبة .. نجد القرآن قد أبان عن الحقيقة في كلمات قليلة، حيث قال تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ). وهذا ما فهمه أعرابيٌّ لم يحمل شهادة في الرياضيات، ولا درس نظريات نتشه ولا فوازييه ولا داروين ولا غير هؤلاء، وإنما نطقت فطرته السويَّة حين سُئل:   بم عرفت ربك؟ فقال:  البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام تدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج أما يدل ذلك على العليم القدير؟! هذه الفطرة التي تدل على أن لكل حادث محدثاً، وعلى أن لكل مخلوق خالقاً، ولذا ترى الصبي الذي إذا ضُرب خلسة التفت وصرخ، وقال :  من ضربني؟ وذلك لأنه مفطور على أن كل حادث فلا بد له من محدث، مع أنه ما درس نظرية السببية! لكنها الفطرة، (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) ، أما الملاحدة فأناس قد انتكست فطرتهم، (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا).
 وأواصل في الحلقات التالية إن شاء الله..