السبت، 19 آب/أغسطس 2017

board

تهافت الملاحدة.. سبل مواجهة الدعوات الإلحادية (6 / 10)

في الحلقة الماضية, عرضت الوسائل التي يستغلها الملحدون لنشر الإلحاد ، وهذه الحلقة والتي تليها في بيان سبل مواجهة الدعوات الإلحادية ، أعرض ذلك مما تضمنته دراسة الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي رئيس مركز يقين بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وهو مركز متخصّص لمحاربة الإلحاد :

ربما يقول قائل: الملاحدة في المجتمع المسلم قليل، فلماذا هذا التضخيم؟ ولماذا يطرح هذا الموضوع أصلًا؟
والجواب أن يقال: ما الذي يدري هذا القائل إن الإلحاد قليل؟ ومن أين له هذا الحكم؟ بل لعل الواقع أسوأ مما نتوهم بكثير، ثم على تسليم أن هذا المرض العضال قليل في المجتمع المسلم، فهل من الحكمة أن نتجاهله وأن نعرض عن الكلام عنه؟!
وهل من الحكمة والعقل أنه إذا اكتُشف في بلد وباء فتاك يهلك الحرث والنسل، ويُخشى من سرعة انتشاره، لكن الحالات المسجلة ليست إلا حالة أو اثنتين فقط - فهل من العقل والحكمة أن نُعرض عن هذا الشأن بالكلية لأن المصابين قليل! أم أن من الحكمة والعقل أن تُستنفر جميع القوى وجميع الإمكانات لدفع هذا الوباء.
فإذا كان هذا الواجبَ في أوبئة الدنيا؛ فما الحال مع أعظم وباء؛ وهو وباء جحد الخالق تبارك وتعالى، والكفر برسالاته وأنبيائه؟! ثم يقال أيضًا: هذا الوباء الفتاك إن سلم منه مجتمع فإن كثيرا من المجتمعات تئن تحت وطأته.
إذن فالطرحُ مفيدٌ - ولا بد- لهذا ولذاك؛ هذا في العلاج، وذاك في الوقاية، والسعيد من وُعظ بغيره.
إن وسائل مواجهة الإلحاد كثيرة، لكن يجب أولًا أن نعِيَ أنه لن يحصل - في الغالب - انحرافٌ لأحد من شبابنا -وأنا أخصهم بالحديث لأنهم الفئة المستهدفة من الملاحدة غالبا- ولن يُـجَرُّوا إلى قذارة الإلحاد إلا من تقصير حصل بوجه أو بآخر من ذوي المسؤولية التربوية والعلمية والدعوية؛ كالأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والموجهين والدعاة.
واستشعار طلاب العلم والدعاة والموجهين هذه المسؤولية سيؤدي -بتوفيق الله- إلى نشاط واجتهاد في الوقوف أمام المد الإلحادي، والله أخبرنا أن الكفار ولو عظم كيدهم فإنه موهن كيدهم. وسبل المواجهة نوعان: سبل وقاية، وسبل علاج.
أما سبل الوقاية: فإنها تهدف إلى بذل الأسباب التي تحول بتوفيق الله بين الشباب المسلم وبين الوقوع في براثن الإلحاد، ومنها:
أولًا: العكوف على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تلاوةً وتدبرًا، والله عز وجل يقول: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله) رواه مسلم.
ثانيًا: السعي في الوصول إلى ذوق طعم الإيمان ووجدان حلاوته؛ من خلال التأمل في صفات الله جل وعلا، ومن خلال التأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن خلال التأمل في محاسن الإسلام. وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا).
ثالثًا: غرس العقيدة الصحيحة في النفوس بكل وسيلة؛ كالدروس، والمحاضرات، والخطب، والبرامج، والمناهج، وكل طريق، لا سيما الأصول التي يؤدي الرسوخ فيها -بتوفيق الله- إلى تفكيك الفكر الإلحادي: كالإيمان بالغيب، والإيمان بالقدر، واعتقاد الحكمة في أفعال الله، وتعظيم النصوص الشرعية، مع بيان حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وخطره، والعلاقة بين العقل والنقل.
كما يجب أيضًا أن تُعاد الهيبة إلى المواد الشرعية في المناهج التعليمية، وأن يُربَّى الطلاب على أنها الأصل والأعظم والأجدر بالاهتمام في هذه الحياة، وأن تكون لها الصدارة في عدد الحصص، وفي أوقاتها، وفي الدرجات، وليس أن يكون هذا للمواد العلمية التجريبية على حساب المواد الشرعية.
رابعًا: تقوية الشعور بالاستعلاء الإيماني والنعمة الإيمانية، واليقين بأن الله مع المؤمنين؛ يكلأهم برعايته، ويمدهم بعونه وتوفيقه، ثم منقلبهم في الآخرة إلى جنات النعيم، حيث غاية لذتهم رؤية البر الرحيم سبحانه.
 خامسًا: " الترشيد الثقافي"، بملاحظة مصادر التلقي التي يستقي منها الشباب أفكارهم؛ فيُلاحَظون فيما يقرأون، وفيما يتابعون من مواقع، ولا يترك لهم الحبل على الغارب، فإن من أعظم الأخطار أن يسمح للناشئ أن يبحر في الشبكة كيف شاء دون رقيب أو حسيب.
 ولن نصل إلى تحقيق الطمأنينة والأمن لأبنائنا إلا إذا وصلت العلاقة بين الابن وأبيه والأخ وأخيه والمعلم وتلميذه إلى مرحلة الصداقة؛ بحيث يكون الصدر المفتوح أمامه ليبثه الشبه التي تعرض له والأسئلة التي تحيره، بدل أن يبحث عن أجوبتها في جحور الحيات والعقارب.
سادسًا: تأصيل المنهج الشرعي في التعامل مع الشبهات؛ بالنأي عنها، والسعي في كشفها.
وهذا من الأمر المهم الذي ينبغي أن نُعنى بغرسه في نفوس الناشئة، وهو أن الشبهة داء، ولا ينبغي التعرض للداء، والسلامة ـ كما قال السلف ـ لا يعدلها شيء، ومنع المبادي أولى من قطع التمادي.
والشُّبهة فتنة، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الفتن من استشرف لها استشرفت له.
وعليه فيجب أن يُقنع الناشئة -وغيرهم- بألا يرخوا أسماعهم لمن يبث في نفوسهم الشُبه؛ فإن الشُبه خطَّافة، والقلوب ضعيفة؛ فالاستماع للشبهة إذن مغامرة غير محسوبة العواقب، وكم من إنسان ظن في نفسه القوة والعلم فوَلج إلى موقع أو استمع إلى مُلبِّس فأوقع في صدره شبهة لم تخرج منه؛ بل صرعته وفعلت به الأفاعيل. ثم إنه إذا ابتلي بها -عن غير تنقير عنها- فعليه أن يلجأ إلى الله في أن يعافيه منها، ثم أن يراجع -على عجل- أهل العلم لكشفها.
هذا هو الحق المبين، وما سواه فتلبيسٌ مردود، يسوِّقه دعاة الضلالة في جمل براقة، تدعو إلى الانفتاح الثقافي غير المنضبط، والهدف أن يُترك الشباب نهبًا لهم؛ فيوجهوهم إلى حيث شاءوا.والمنهج الشرعي في هذا الباب واضح بحمد الله؛ وهو: الحذر من الفتن، والتحذير من أهلها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي السفهاء. 
سابعًا: رعاية شباب المسلمين المبتَعثين في بلاد الكفر.
وقد حسم علماؤنا هذا الباب، فبيَّنوا ما يحل من الابتعاث وما يحرم، وما ضوابط الحِلِّ، والواقع الذي نعيش فيه، فيه مشكلة لا ينكرها عاقل، والواجب على الغيورين أن لا يقفوا مكتوفي الأيدي ويتركوا هؤلاء الشباب - وهم حدثاء في أسنانهم، ضعيفون في تجربتهم- صيدا سهلا لهؤلاء الملاحدة، ولهذه الدعوات الهدامة.
 وهنا أرفع صوتي مخاطباً الحريصين على هؤلاء الشباب من مؤسسات وأفراد: أن يولُوا هذا الموضوع الاهتمام اللائق به، وأن يضعوا البرامج التي تهدف إلى تحصين الشباب، قبل ذهابهم وبعد ذهابهم. وعلى الجهات الرسمية المعنية بالدعوة والإرشاد والملحقيات الثقافية واجبٌ في توعية الشباب وتحذيرهم، وأن يكونوا الصدر الواسع الذي يحتضنهم، والذي تتكسر على عتباته أمواج الشك التي قد تحيط بهم.
وعلى الدعاة ألا يغيبوا عن ساحة النصح هذه، وألا يهملوا هؤلاء الشباب، ولا يغفلوا زياراتهم في أماكنهم، مع التواصل مع النوادي الطلابية ورؤسائها وأمنائها.
وكذلك ينبغي أن يكون لطلبة العلم الشرعي مشاركة في المواقع المخصصة للشباب المبتعثين وملتقياتهم ومجموعاتهم البريدية، كما ينبغي تعاهدهم من وقت لآخر من خلال الجهات المعنية بالرسائل والمطويات والكتيبات والأقراص التي تعالج هذا الجانب المهم.
ثامنًا: أن تقوم الجهات المسؤولة من الجهات المعنية بالدعوة أو الحسبة أو رعاية الشباب أو التعليم أو غيرها بتجفيف منابع الإلحاد واجتثاث أسبابه، وهذا موضوع واسع.
تاسعًا: إقامة حكم الله عز وجل فيمن وقع في هذا الكفر الغليظ، وبهذا يرتدع الآخرون، كما قال عثمان رضي الله عنه : (ربما يَزَع السلطانُ الناسَ أشدَّ مما يزعُهُم القرآنُ).
عاشرًا: التزام الوصايا النبوية العظيمة الواردة في هذا الباب، ومنها: الإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى؛ فإن الإلحاد ليس قضية علمية ثابتة، وإنما هو مجموعة وساوس، والوساوس إنما تنفذ من خلال الشيطان.وينبغي العمل بالوصية النبوية في هذا الباب، وهي قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خَلقَ الله الخلْق؛ فمن خَلقَ الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله). وقد جمع أهل العلم خلاصة ما جاء في الوصايا النبوية لمن ابتلي بهذه الوساوس التي تصل إلى شكّه في ربه جل جلاله، وهي خمس، فينبغي أن يعلمها ناشئة المسلمين:أولًا: أن يقول العبد: آمنت بالله ورسله. ثانيًا: أن يقول: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ثالثًا : أن يتفل عن يساره بعد هذا القول ثلاثًا. رابعًا: أن يستعيذ بالله من الشيطان.خامسًا: أن ينتهي عن هذه الوساوس؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال -وقوله الحق-: (فإن ذلك يذهب عنه).
وأواصل في الحلقات التالية إن شاء الله ..