الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

تهافت (بني علمان)  (3/3)

حاول الكاتب العلماني في مقاله ( نحو مدارس علمانية التحدي الملحّ الذي يواجه المهاجرين في الغرب) ، أن يربط بين المدارس الإسلامية للجاليات المسلمة في الغرب وبين جماعة داعش وجماعات التكفير والتطرف ،

وهذه (شمّاعة) معروفة من منهزمٍ !! ولو سألناه ليجمع لنا رأي المسلمين عموماً ومن يعملون ويدرسون في المدارس الإسلامية في البلدة التي يعيش فيها قبل غيرها لعلم أن الأفكار الداعشية هي شذوذ عمّا عليه عامة المسلمين، ولن يجديه في التشويش على المنهج الإسلامي هذه المحاولة اليائسة (المفضوحة)  وقد شحن مقاله بعبارات أراد أن يصوّر بها وكأن المتخرجين من تلك المدارس سيلتحقون بالجماعات التكفيرية المنحرفة ..
ولإفادة الكاتب الذي أخبر عن نفسه أنه عمل في إدارة مركز لمقارنة الأديان !! ولتبصير بني جلدته من بني علمان – إن كانت المسألة تخفى عليهم !! – فإنه يجب أن يعلم أنّ الإسلام دين جاء بعقيدة وشريعة وأحكام من الله خالق هذا الكون وخالق الإنسان، وبعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وأوجب عليهم الإيمان به، وبذلك قد نسخت الأديان التي قبل الإسلام، والحكم الشرعي الثابت بالنص النبوي أنّ كل من لم يؤمن بهذا الدين فهو كافر، ولن يتقبل الله من أحد ديناً يتقرب به إلا إذا كان مسلماً ، قال الله تعالى : (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
ومع ثبوت ذلك, فإن الإسلام قد كفل لغير المسلمين أموراً كثيرة، ولم يكره أحداً على الدخول فيه (لا إكراه في الدين) وحدّد كيفية تعامل المسلمين مع غيرهم - خاصة إذا عاشوا في بلد واحد . وفي الفقه الإسلامي مصطلح : (أهل الذمة)  وهو مما لا حرج فيه، فإن الذمة في لغة العرب تعني (العهد والميثاق) قال تعالى : (لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة) أي عهد، فالدولة الإسلامية تبرم عهداً مع غير المسلم (أهل الكتاب ويدخل معهم المجوس في قول الجمهور) إذا عاشوا بين المسلمين ، وبموجب هذا العقد، يصير غير المسلمين كالمسلمين، في حرمة الدماء، والأموال، يقول صلى الله عليه وسلم :(من قتل معاهداً لم ير رائحة الجنة،) ، ويقول في حديث آخر :(ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئاً منه بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة ). وإن الدولة الإسلامية تحميهم، وأحياناً تسقط أخذ الجزية ولا تأخذها منهم إذا لم توفر الحماية لهم، وكل ذلك محفوظ بنماذجه المشرقة في تاريخ المسلمين، لا سيما ما كان في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واتساقاً مع موقف المسلمين الثابت، في حماية غير المسلمين، من أهل ذمتهم، في دمائهم، وأموالهم، أنه لما أراد أحد سلاطين التتار أن يطلق سراح أسرى المسلمين، دون النصارى، اعترضه شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه يرى أن يسري في حقهم ما يسري في حق المسلمين لأن لهم عهد وذمة، وأنه إن لم يطلق سراحهم، جاهد المسلمون، واستأنفوا القتال، لافتكاكهم .. ولابن تيمية رسالة مشهورة بهذا الخصوص ، اسمها :(الرسالة القبرصية).
وإن من الطبيعي أن جهل بعض المسلمين في بعض الأماكن قد ينتج عنه معاملة خاطئة لغيرهم، وكل عاقل يعلم أنه لا ينبغي أن تنسب تصرفات الأفراد للجماعة، خاصة إذا كان الإسلام هو عقيدة وشريعة وأحكام مقررة ومدونة، فيجب الرجوع إليها لمعرفة المقرر عند المسلمين والمشروع ولا يكون الرجوع إلى تصرفات الأفراد والاكتفاء بها في ذلك .
وفي ظل التطبيق الصحيح للإسلام جاءت شهادات المنصفين من النصارى وغيرهم بما عاملهم به المسلمون، وأنقل للتمثيل هذه الجزئية :
من نماذج ذلك ما شهد به (السير توماس آرنولد) في كتابه :(الدعوة إلى الإسلام) الذي كتب فيه عن تاريخ نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء العالم وكيف أن دعاة الإسلام نشروا دعوتهم بين أقوام عرفوا بالشدة والخروج على كل نظام أو قانون حتى أسلموا، وصار دعاة يهدون غيرهم.
يقول : (لم نسمع عن أية محاولة مدبرة، لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين).
ويزيد آرنولد في بيان تسامح المسلمين فيقول: ( لا يسعنا إلا الاعتراف، بأن تاريخ الإسلام، في ظل الحكم الإسلامي يمتاز ببعده بعداً تاماً عن الاضطهاد الديني).
وهذه شهادة منصفة أخرى، يؤديها (ول ديورنت)، في كتابه :(قصة الحضارة)، حيث يقول :(لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم، ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من أداء ضريبة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله) .  ولو رغبت في النماذج من هذا القبيل فأحتاج إلى مساحة كبيرة، فليت شعري أين المنصفون؟! وكيف لا تكون شهادتهم كذلك والله تعالى قد أمر المسلمين بحسن التعامل والتأدب مع غيرهم يقول تعالى :(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).
فهذه الآية تقرر أسس التعامل مع غير المسلمين من الذين ذكر أوصافهم الله تعالى في الآية الكريمة، أنها البر، والقسط إليهم، بكل ما يقتضيه معنى البر من الخير، والقسط من عدل، وفاصلة الآية :(إن الله يحب المقسطين)، تدعو كل مسلم، أن يسارع في تنفيذ ما يحبه الله. يقول تعالى :(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) ، فقد جاءت هذه الآية تأكيداً عملياً لما يأمر به القرآن، من الحكم بين الناس بالعدل، دون تفرقة بينهم، بأي سبب من الأسباب.  وهنا تبين الآية، أن الله تعالى قد أنزل كتابه القرآن الكريم، بالحق، على رسوله صلى الله عليه وسلم، ليحكم بين الناس، بما هداه إليه الله تعالى..  والآية تدعوه صلى الله عليه وسلم ألا يكون محامياً، ولا مدافعاً، عن الخائنين للأمانات، ممن يلوون ألسنتهم بالكذب، حتى يقضي لهم بظاهر شهاداتهم.
وفي أسباب النزول، إشارة إلى أن بعض الأنصار، رمى أحد اليهود بغير حق، بتهمة ظالمه، فجاءت هذه الآية وما بعدها، في براءته .. آيات تتلى أبد الدهر، تؤصل للعدالة، وتؤكدها بين الناس كلهم، دون تفرقة، بسبب اختلاف الدين، أو العنصر، أو القبائل، أو الشعوب.
ويقول الله تعالى : (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم).
والأحكام الشرعية التي وردت في دين الإسلام في شأن التعامل مع أهل الملل الأخرى والديانات وما اختص به أهل الكتاب عن غيرهم في الذبائح والطعام والزواج والبيع والشراء من الكفار عموماً واضحة معلومة لا تتناقض ولا تختلف.
فإن بيان كفر الكفار وبيان أن النار مصيرهم وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة هو من الواجبات إذ هذه أمور هي من ثوابت الإسلام ، وستبقى هذه الأحكام وإن رغمت أنوف العلمانيين والليبراليين ، يبينها من يوفقه الله تعالى سواء في بلاد المسلمين أو في بلاد الغرب أو الشرق، وإن النصوص التي ثبتت بها هذه الأحكام ثبت مثلها كذلك في إنكار أفعال الغلاة والتكفيريين وأهل التطرف كجماعات داعش ومن نحا نحوها، فيبرأ أهل السنة والجماعة عن تصرفات أولئك، والفرق بين أهل السنة وأولئك كالفرق بين التمرة والجمرة فهل خفي ذلك على الكاتب؟ّ!
وبالمقال نقاط كثيرة دوّنتها لكن يبدو أنه لا حاجة إلى بذل المزيد من الوقت في ذلك فأكتفي بهذه الحلقات الثلاث .. وحسب القارئ أن يدرك حجم الحنق الذي ظهر من الكاتب على التربية الإسلامية في مقاله باطلاعه على قوله التالي : (وما نقترحه يقتضي وضع منهج جديد لا يدرّس اللغة العربية (في حالة الأطفال العرب أو غيرهم) كلغة"إسلامية"، وإنما كلغة تواصل ثقافي مثلها مثل باقي اللغات في العالم.  وهكذا يصبح واجب المدرسة هو تعليم الأطفال اللغة ليس بغرض إعدادهم دينياً ولكن بغرض إكسابهم معرفة أساسية باللغة ليفعلوا بها بعد ذلك ما يشاءوني)..!!!