الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

كونوا حكماء !!

الحكمة في الدعوة إلى الله من أهم الصفات التي يجب على الداعية أن يتحلى بها، فإن الناس يتفاوتون وإن المواقف لتتباين، والداعية يتعامل مع أشخاص كثيرين.. فوجب عليه حتى يحقق مقاصد وأهداف الدعوة إلى الله تعالى أن يكون حكيماً،

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حكيماً , وهو عليه الصلاة والسلام إمام الحكماء، والحكمة لا بد منها في الدعوة إلى الله وفي سائر أمر الإنسان، قال الله تعالى :(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).  وتعرف الحكمة بأنها وضع الشيء في موضعه، فهي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي بالطريقة التي تنبغي.
وقد كان عليه الصلاة والسلام أحكم الناس وحكمته عُرفت عنه قبل البعثة، ومن شواهد ذلك قصة بناء الكعبة في الجاهلية واختلافهم في وضع الحجر الأسود, فقد حكموه ورضوا بحكمه فحكم في الأمر بالحكمة وعالجه علاج الحكماء فأمر بوضعه في ثوب ثم ليمسك كل من يمثل قبيلة من طرف فحملوه جميعاً حتى وضعه عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة في موضعه.
فكم من شخص حقق خيراً كثيراً بحكمته، وكم من إنسان أضاع خيراً كثيراً بسبب فقد الحكمة، وكم من الناس من أضروا بأنفسهم وأهلهم ومجتمعاتهم بسبب فقد الحكمة «يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً» ..  وكم هم من ينصبون أنفسهم دعاة إلى الله إلا أن ما يسيئون به في دعوتهم أكثر مما يصلحونه..
ومن الأمثلة على حكمته:  أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه».
هذا هو البناء الصحيح الذي بنى عليه إبراهيم عليه السلام الكعبة, وهو أمر أحب إليه عليه الصلاة والسلام وأراد أن يفعله ولكنه لم يفعله مراعاة لأن أهل قريش والمسلمين حديثاً سيقولون:  إن محمداً أراد أن يتشرف بذلك بسبب قرب عهدهم بالإسلام. ومن الحكمة أيضاً أنه كان يتعامل مع المدعوين على حسب أحوالهم.  فقد هجر الثلاثة الذين خلفوا «كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية» وهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وفوائد ذلك كثيرة جاءت في الحديث.  وفي المقابل فإنه ترك المنافقين وقَبل أعذارهم الظاهرة, أما الثلاثة المؤمنين فوبخهم وعاتبهم وهجرهم بل أمرهم أن يفارقوا زوجاتهم ومنع الناس من أن يكلموهم حتى نزلت توبة الله أرحم الراحمين عليهم. وأثر هذا الفعل من النبي صلى عليه وسلم والصحابة على الثلاثة تحققت به مصالح كثيرة، فكان مقتضى الحكمة، ودروسه كثيرة.
ولما وجد عليه الصلاة والسلام رجلاً يلبس خاتماً من ذهب أخذه ورماه في الأرض وداسه بقدمه صلى الله عليه وسلم وقال:« يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده..»  وقد رأى أن هذا الشخص يناسبه هذا الأسلوب ويتحمله وهو علاج له.  ولذلك قيل لهذا الرجل خذه وانتفع به أي الخاتم فقال: «والله ما آخذ شيئاً وضعه النبي صلى الله عليه وسلم تحت قدمه». وفي المقابل نرى في قصة الرجل الذي بال في المسجد وأراد الصحابة أن يضربوه فأمرهم بأن يدعوه ويريقوا على بوله ماءً، ثم وضح وبين له الحكم الشرعي بأن هذا مكان صلاة وتسبيح فتعجَّب الصحابة.
إن هذا الرجل كان سيتضرر إذا قطع بوله وربما يتحول إلى مكان آخر فتتحول النجاسة إلى مكان آخر، وهو ليس له معرفة بالحكم في ذلك.  وقد عدّد بعض أهل العلم مظاهر حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث فذكروا عدة مظاهر، وكان لأثر ذلك أنه قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً».
وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم نماذجها كثيرة جداً جمعت في مؤلفات والناس عموماً والدعاة إلى الله خصوصاً بحاجة إلى أن يقفوا عليها، ويستنيروا بها في طريقهم في الدعوة إلى الله تعالى.
ومن حكمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يراعي مشاعر وأحوال المدعوين وهذا جانب مهم للداعية:  مراعاة نفسياتهم وذلك يترتب على التعرف على المدعوين، فكان عليه الصلاة والسلام يعلم أحوال من يدعوهم وبناء على ذلك يراعي نفسياتهم ومن مظاهر ذلك أنه يوم فتح مكة قال: «من دخل البيت الحرام فهو آمن ومن دخل دار العباس فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»  ولم يكن أبو سفيان في تلك اللحظة قد دخل في الإسلام .. فالغاية العظمى والمبدأ الأساسي للدعوة إلى الله هو الهداية للمدعوين وأن يسلك المدعو الطريق المستقيم، هذا المقصد هو أعظم مقاصد وغايات الدعوة إلى الله، ولي بإذن الله تعالى مقال خاص بهذا الجانب ينشر قريباً إن شاء الله تعالى.  فطالما هذا هو المقصد الأكبر في الدعوة كان على الداعية أن يبحث عن هداية من يدعوهم إلى الله ويستغل الوسائل والأساليب الشرعية التي يتحقق بها ذلك بتوفيق الله تعالى.
ومن مظاهر ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بعد حنين رجلاً غنماً بين جبلين ولم يكن مسلماً؟ لعلمه عليه الصلاة والسلام أن هذا التصرف يجدي معه بتوفيق الله تعالى وبالفعل فإن الرجل قد ذهب إلى قومه وقال: « يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر»، فكان هذا الأثر المبارك من ثمار الحكمة النبوية التي يجب على الدعاة إلى الله أن يتعلموها ويجمعوا نماذجها وأمثلتها حتى تكون دعوتهم نافعة يبارك الله تعالى فيها.
وفي مقابل المثال السابق فإنه عليه الصلاة والسلام لما خلص من حنين وقسم الغنائم لم يعط الأنصار منها ووزعها على أقوام دخلوا الإسلام حديثاً ,فوجد الأنصار في أنفسهم ما وجدوا وقال بعضهم:  خص قومه بذلك، فصارحهم عليه الصلاة والسلام وقال: «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها... ثم قال لهم أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟!...»  الحديث، وهو حديث طويل فيه فوائد عظيمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وَكَل الأنصار إلى إيمانهم الذي علمه عنهم وبين لهم أنه تألف أولئك بشيء من حطام الدنيا.  فهو يعلم أن الأنصار ذوو إيمان وذوو نصرة، فكان فعله عليه الصلاة والسلام من مقتضى الحكمة التي بنيت على معرفة بمن أعطاهم وبمن لم يعطهم، فينبغي معرفة حال المدعو ومن يقدم له النصح والإرشاد.
ولو تأملنا هذه الصراحة نفسها في مخاطبة النبي للأنصار وقولهم له لوجدنا أنها من الحكمة، فإن كثيرين يضمرون في أنفسهم أموراً عظيمة وتترتب عليها آثار خطيرة، وكان يمكنهم علاج الأمور بالصراحة والوضوح مع إخوانهم أو الآخرين، ولكنهم يوثرون عدم الصراحة وكما يقال في عاميتنا «يدمدمون الأمور» حتى إذا جاء وقت علاجها استعصى الأمر على حكماء الزمان، ولا يخفى أن طبيعة المجتمع الذي تكثر فيه المجاملات، ويبني كثير من أفراده مواقفهم على العاطفة كحال مجتمعنا، فإنه تكثر فيه مظاهر ترك الوضوح والصراحة فيكثر الأثر السيئ من ترك ذلك.
* ومن هذه النماذج وغيرها يتضح أن الحكمة تكون في الإعطاء وتكون مع آخرين بالمنع، كما أن الحكمة تكون في اللين والرفق وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره كما جاء في الحديث، وقد تكون في غير الرفق من الشدة والغلظة عند من يكون ذلك هو الأجدى والأنفع للمدعو لأجل هدايته، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..
والموفَّق من وفقه الله.