السبت، 29 أبريل 2017

board

(مجاملاتنا) تحت المجهر !!

ما أكثر من يتضجرون من فوضى (المجاملات) !! شكوى مستمرة وحال لا يطاق، استنزاف للأموال وتبديد لها، وإضاعة للأوقات، وإهمال للأعمال، وإرهاق للأجساد وربما إهلاك للأنفس !! حركة دؤوبة يومية تنقلات هنا وهناك داخل المدينة وعلى مستوى الولايات،

حتى كثر ضحايا (فوضى المجاملات) ، فلستُ مصلتاً سيفي لأحارب المجاملات وإنما أسطّر بقلمي لتنظيم توضع به الأمور في مواضعها، ويعطى كل ذي حق حقه، ولا يحمّل الناسُ أنفسَهم فوق ما يطيقون، فهذه (صيحة) ممن أدرك حجم المعاناة فأقول :
أرجو ألا يتطرق إلى ذهن القارئ الكريم الذي يقرأ عنوان مقالي هذا أن المقال يراد به نقض أو تخطئة (أصل) مبدأ المجاملات السودانية، فإن السودانيين وعلى مر العصور ومختلف البلدان قد عرفوا واشتهر عنهم  تعاطفهم فيما بينهم، ومساعدة بعضهم بعضا، ومد يد العون للمحتاج، والوقوف مع المضطر ومع صاحب الحاجة، ووجودهم في لحظات الحاجة والشدة، وهم في ذلك كله مضرب مثل حتى غدت كثير من الأمم والشعوب تغبطهم في ذلك .
وقد ساعد على ذلك العاطفة الكبيرة التي وجدت لدى السودانيين عموماً، وتظهر هذه العاطفة فلا يظن ظان أني بصدد القدح في هذه الخصلة الكريمة المتوفرة لدى أهل السودان باختلاف قبائلهم ومناطقهم، وأعرافهم. وإنما أردت بهذا (الصيحة) المشفقة أن أضع واقع كثير من هذه المجاملات على ميزان الشرع ، وعلى القاعدة المعروفة بــ(مراعاة الأولويات) ، وعرضها ـ أيضاً ـ في ميزان (أداء الحقوق) الذي حددته الشريعة ورتبت به الحقوق، وبينت أنه سيسأل عنها وعن أدائها وسيحاسب من فرّط فيها وأضاعها.
والحديث في هذه المسألة يطول، وذلك لأنه يرتبط بأمور كثيرة، إلا أني أطرحه بإجمال وباختصار، وأسوقه على طريقة الوقفات والنماذج .
الوقفة الأولى : يتكرر في كثير من الدوائر الحكومية، وحتى في كثير من مؤسسات القطاع الخاص تغيب بعض الموظفين عن العمل، وأحياناً يكون هؤلاء الموظفون ممن لا يوجد من يقوم بمهامهم في فترة غيابهم، كما لم يتم تحديد الإجازة مسبقاً ويتم الاحتياط بوضع موظف بديل، فيأتي المراجعون وذوو الحقوق وقد يكونون كثرة وأعداداً كبيرة ومصالحهم جليلة، إلا أنه يتم الاعتذار لهم بأن الموظف قد غاب بسبب وفاة لأحد أقاربه أو جيرانه ، أو أن هناك عملية تجرى بالمستشفى لأحد أقاربه ، أو أصهاره ، وقد يكون الغياب ليومين أو ثلاثة أو أكثر!
وأسباب التغيب التي تدخل في هذا السياق هي من : (البحر الذي لا ساحل له) ، فأنت لا تستغرب من أي سبب يذكر لك أو تسمع به!!  أو قد لا يذكر!! فقد يكون من الأسباب : أن لصاً دخل بيت جار الموظف والموظف تغيب ليقف ويقوم بالواجب في البحث أو المساعدة للقبض على اللصوص، وكأنه أحد أفراد الشرطة أو المباحث الجنائية!!  وقد يقال إنه قد سافر لدفع المهر لصديقه فلان أو أو ...إلى غير ذلك مما يشبهها من الأسباب.
إن هذا التصرف ـ وللأسف ـ يعتبر جزءاً من ثقافة الكثيرين في مجتمعنا، بل هي قضية راسخة رسوخ الجبال الرواسي في الأرض، فقد أدى هذا الموظف واجبه وقام به خير قيام في مجاملة من حرص على مجاملتهم!! لكن ما ذنب من تعطلت معاملته بسبب مجاملته؟ أين حق هؤلاء وهو حق واجب؟  ألا يقدح هذا الغياب ـ والذي بسببه تعطلت الأعمال وربما ضاعت به مصالح أناس ـ ألا يقدح في حِلِّ الأجر والراتب الذي يتقاضاه هذا الموظف؟!
الوقفة الثانية : يُحَمّلُ كثير من الناس أنفسهم فوق طاقتها بسبب مجاملاتهم، فإن بعضهم يقترض ويستدين المال لأجل أن يدفع مبلغاً في مجاملة من المجاملات ولموقف اجتماعي، ويلزم نفسه بالدين، ومعلوم خطورة الدين وما يترتب عليه، فقد امتنع النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة على صاحب الدين ليبين للناس خطورته، ويستدين آخر ليسافر إلى مدينة بعيدة ليحضر مناسبة ، قد كان يكفيه أن يتصل بالهاتف على صاحب المناسبة ويكفي نفسه ذل وهم هذا الدين.  وبعضهم قد لا يستدين لكنه يصرف المال الذي يحتاجه أو تحتاجه أسرته في ضروريات حياتهم.
والبعض الآخر يكلف نفسه (بدنياً) فوق ما تتحمل كأن يسافر وهو مريض، وهو لا يتحمل طول الطريق، لكن هكذا تفرض عليه المجاملة!!  وهكذا يدفعه حرصه على المشاركة، أو خوفه من اللوم والعتاب إذا لم يشارك!!
ألا يعلم من يقدم على ذلك أن الله رب العالمين الذي خلق هذا الإنسان وأوجده لعبادته، وأنعم عليه بجميع النعم ، لم يكلفه فوق ما يطيق ، فإذا كان الرب الخالق لم يكلف عبده فوق طاقته ، فما بال المخلوق الذي يلزم مخلوقاً مثله بما يفوق طاقته بدنياً أو مادياً؟ ! وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : (صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) .  ألا فليعقل ذلك كل من سولت له نفسه بإلزام الناس أو إلزام نفسه فوق ما تطيق.
الوقفة الثالثة : يجتهد كثيرون في مجتمعنا في عدم الغياب عن أية مناسبة قريبة أو بعيدة في السفر أو الحضر ، ولكنك إذا سألت بعضهم عن علاقته بأولاده ، أو زوجته ، عن تفقده لهم ، وتوجيهه وتربيته لهم ، قد تجد أن نصيبه من ذلك  لا يقارن أو يوازي نصيب المجاملات للآخرين في اهتماماته وأوقاته، بل قد يكون قد بلغ درجة كبيرة في التقصير ، فقد أهمل وضيع من يعول ، ومن أهم أسباب ذلك : المجاملات التي لا تعرف أزماناً ولا أوقاتاً ولا أحوالاً ولا تنقضي.  فأين هؤلاء الذين أدى بهم حرصهم على تطييب خواطر الآخرين بمجاملاتهم إلى إهمال خواطر الأقربين بل إضاعة حقوقهم؟!
وماذا يقولون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان قد غلب جانب (العبادة) على بعض حقوق زوجته وأهله فقد قال له : ( إن لزوجك عليك حقاً وإن لربك عليك حقاً وإن لبدنك عليك حقاً وإن لضيفك عليك حقاً فأعطى كل ذي حق حقه ).
أين هم من مراعاة الأولويات ؟! فإن الحقوق إذا تضاربت وكان أداء بعضها يتسبب في تفويت البعض الآخر كان من الواجب في هذا الحال أن يقدم ويؤخر بينها على ضوء قاعدة (الأولويات) التي تنطلق من تفاوت هذه الحقوق واختلافها وتقديم الأولى على ما هو دونه.  كيف يهنأ بك الآخرون ويفتقدك الأقربون؟! وحقوقهم آكد وأوجب من حقوق غيرهم! أليس من المسلمات في ديننا أن الأقربين أولى بالمعروف؟!
الوقفة الرابعة : وفي مقابل ما ذكرته في الوقفة السابقة، فإن العكس يحصل أحياناً ـ وبسبب المجاملات ـ!   ومن الأمثلة التي أوضح بها ذلك : أنه قد يمنع رب الأسرة زوجته أو ابنه أو بنته من الذهاب لمناسبة ما، وبغض النظر عن صحة أو خطأ موقفه، إلا أنه في كثير من الأحيان تصر الزوجة أو الابنة أو الابن على تحقيق رغباتهم، وعلى المشاركة التي يرونها (ضرورية) !!  وكأنهم سيفقدون الحياة أو ينفوا من الأرض !! إن لم يشاركوا في تلك المناسبة!!  فيصرون، وقد تدور مناقشات ، ومشاجرات ، وقد يتمرد الأبناء، ويعصون أباهم ، وقد تعصي الزوجة زوجها ، وفعلهم هذا من المحرمات ، فإن طاعة الزوج والوالدين واجبة إلا إذا كانت في المعصية ، أما ما عدا المعصية فإن الطاعة تجب ويأثم بذلك من يعصي.
الوقفة الأخيرة : إن بسبب المجاملات قد ضاعت في مجتمعنا كثير من الحقوق  ووقع كثير من الناس في أنواع من البلايا والشرور فقد عصى بعض الناس الله تعالى بسبب المجاملات!
   وسكت كثير من الناس عن كلمة الحق بسبب ذلك ! وقل النهي عن المنكر لدى كثير من الناس بسبب المجاملات.   وربما أكل بعض الناس المال الحرام مجاراة وتطييباً لخاطر من لا يستطيع إحراجهم!  وبسبب المجاملات لم تقسم كثير من المواريث والتركات ولم يعط كثير من ذوي الحقوق حقوقهم!!  والحديث عن هذا الأمر ونماذجه وأمثلته  يطول جداً ، ولكن حسبي أن الإشارة بما ذكرت قد تكفي عن الكثير.
إننا بحاجة إلى جرأة وقرارات شجاعة نوقف بها هذه الفوضى ونعيد بها ترتيب الأمر في هذه القضية التي باتت مصدر إزعاج مستمر خاصة وبلادنا تعاني انتشار الفقر والغلاء الطاحن ، وليكن بعضنا لبعض عوناً في ترتيب الحال وقبول الأعذار فإن العمر يمضي والمجاملات المستمرة تنسف منه الكثير، والمصيبة أن الكثيرين يقومون بالزيارات وتلبية الدعوات باعتبارها حملاً ثقيلاً فخلت من إخلاص يقبل به العمل فكان حالهم يعبر عنه المثل : (ميتة وخراب دبار) !!
إن من أهم الواجبات الكفائية أن تتم توعية الناس بهذا الجانب المهم ، وتبين لهم قاعدة الحقوق والأولويات، وحتى تنكشف المسألة للجميع وتتضح والموفق من وفقه الله.