الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

مِيتَةٌ وخَــــــرَابُ دِيـــــــارٍ ...!!!

كان من مقالات هذا العمود في الأسبوع الماضي مقال بعنوان : "مجاملاتنا" تحت المجهر، وقد وردني عدد من الرسائل في البريد الإلكتروني تعليقاً على المقال،

كما حظي المقال بتعليقات كثيرة في صفحتي على (الفيس بوك) ، والقاسم المشترك بين التعليقات هو الشكوى وحكاية الضرر البالغ من (فوضى المجاملات) في مجتمعنا، وإن الواجب أن يعطى الموضوع حقه بقدر الضرر القائم المترتّب عليه، من هذا المنطلق أردف بهذا المقال في قضية التفرّغ للعزاء والانشغال به وإلزام الناس به، وأرجو أن تجد قضية "المجاملات" عموماً حظها في المناقشات الهادفة التي تثمر حلولاً عملية تجد نصيبها في التطبيق العملي في مجتمعنا، وما أشد حاجة الناس في مدن بلادنا - عموماً - وفي عاصمتها - خصوصاً - إلى العمل بهذه العبارة : ((ولا اجتماع للعزاء بعد الانتهاء من الدفن)).
فإن الناس لو عملوا بمعنى هذه العبارة لتحقّق لهم ما يلي :
1/ موافقة ما كان عليه الصحابة والسلف الصالح الكرام .. وإن كلَّ خير في اتباعهم.  وقد ورد في مسند الإمام أحمد وغيره عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنهم كانوا يعدّون الاجتماع بعد الدفن من النياحة، ولا يخفى أن النياحة ورد في ذمها أحاديث كثيرة توجب الحذر من الوقوع فيها ..
2/ حفظ الأوقات وتسخيرها في الأعمال (الواجبة والمستحبة) .. وفي الدراسة وغيرها .. وبقاء الموظفين في مكاتبهم وأداؤهم أعمالهم وبالتالي تحقيق مصالح المراجعين التي تفوت بسبب المشاركة في العزاء في أوقات العمل.
 فإنه يتكرر في كثير من الدوائر الحكومية، وحتى في كثير من مؤسسات القطاع الخاص تغيب بعض الموظفين عن العمل، وأحياناً يكون بعض هؤلاء الموظفين ممن لا يوجد أحد يقوم بمهامهم في فترة غيابهم، كما لم يتم تحديد وترتيب إجازتهم مسبقا، فيتم الاحتياط بوضع موظف بديل، فيتغيب هؤلاء ويأتي المراجعون وذوو الحقوق وقد يكونون كثرة وأعداداً  كبيرة ومصالحهم جليلة، إلا أنه يتم الاعتذار لهم بأن الموظف قد غاب بسبب وفاة أحد أقاربه أو جيرانه ...!!
3/ حفظ الأموال التي تصرف في النفقة أيام العزاء ..(خيام /طعام / شراب/ مواصلات / ..الخ).. ولو صرف بعضها في أوقاف للميت لكان أنفع له ..
حيث يُحَمّلُ كثير من الناس أنفسهم أموراً (فوق طاقتها) بسبب مجاملاتهم، فإن بعضهم يقترض ويستدين المال لأجل أن يدفع مبلغاً في مجاملة من المجاملات ولموقف اجتماعي، ويلزم نفسه بالدَّيْن ، ومعلوم خطورة الدَّيْن وما يترتب عليه ، فقد امتنع النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة على الرجل الذي توفي وعليه دين، ليبين للناس خطورته وعظم شأنه وذلك لتعلقه بحق مخلوق آخر.
 ويستدين آخر ليسافر إلى مدينة بعيدة ليحضر عزاءً ، قد كان يكفيه أن يتصل بالهاتف على صاحب أو أصحاب العزاء ويكفي نفسه ذل وهم هذا الدين . وبعضهم قد لا يستدين لكنه يصرف في ذلك المال الذي يحتاجه لنفسه أو تحتاجه أسرته في ضروريات حياتهم.
4/ حفظ الصحة وتقليل نسب المرض والحوادث خاصة في العزاء الذي يتطلب السفر بين المدن.
إن بعض الناس يكلف نفسه (بدنياً) فوق ما تتحمل كأن يسافر وهو مريض، وهو لا يتحمل طول الطريق، لكن هكذا تفرض عليه المجاملة!!  وهكذا يدفعه حرصه على المشاركة، أو خوفه من اللوم والعتاب إذا لم يشارك!! فهو يريد أن ينجو من اللوم فقط في هذا السفر الطويل وبهذه النفقة العزيزة !!
ألا يعلم من يُقْدِمُ على ذلك أن الله رب العالمين الذي خلق هذا الإنسان وأوجده لعبادته، وأنعم عليه بجميع النعم، لم يكلفه فوق ما يطيق ، فإذا كان الرب الخالق لم يكلف عبده فوق طاقته ، فما بال المخلوق  يلزم مخلوقاً مثله بما يفوق طاقته بدنياً أو مادياً؟! قال الله تعالى : (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وقال الله تعالى : (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : (صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) رواه البخاري وغيره.
 ألا فليعقل ذلك كل من سولت له نفسه بإلزام الناس أو إلزام نفسه فوق ما تطيق.
5/ تخفيف الزحام في الشوارع فإن أعداد السيارات المتحرّكة للعزاء – في العاصمة خاصّة -  كثرتها لا تخفى.
وغيرها من الفوائد والمصالح العاجلة والآجلة .. ولقد نهانا شرعنا عن التكلّف ومن ذلك التكلّف الظاهر لأهل الميت وللمعزين لهم، ولنتدبّر هذا الحديث العظيم:
وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ : أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ- قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ - كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى في بداية الأمر بالإرسال لابنته رضي الله عنها إلا أنها لما أكّدت بالقسم أن يأتيها ، طيّب خاطرها النبي صلى الله عليه وسلم ..  وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الناس لا ينبغي لهم المبالغة في الاجتماع بعد دفن الميت.
*أصبح هذا الجانب عبئاً ثقيلاً (مادياً وبدنياً) ومهلكاً للوقت .. وقد نهينا في شرعنا الحنيف عن التكلّف ..فلا ينبغي أن يحمّل شخصٌ نفسه أكثر ما تطيق خاصة وأن الموت سبيل الأولين والآخرين لا يتوقف ولا ينقطع، وليرضَ الناس بالتعزية بالهاتف وليقبلوا في ذلك الميسور.
 بعض الناس يتخذون أماكن العزاء وأوقاته فرصة للونسة وتبادل الأخبار وقراءة الصحف .. والقيل والقال .. وبعضٌ آخر قيل إنه يأتي وقت الوجبات الثلاث وينصرف بعدها وغير ذلك من المقاصد التي يعبّر عنها المثال العامي : ((مِيتَةٌ وخَــــــرَابُ دِيـــــــارٍ ...!!!))
أرجو أن تجد هذه الدعوة التي بعثتها الشفقة وحب هذا المجتمع أذناً صاغية، والله الموفق ..

الأعمدة