الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

رد افتراءات الصادق المهدي على الصحابة الكرام (1)

نُشر قبل أيام حوار بصحيفة (الوطن) مع الصادق المهدي، وللأسف الشديد فقد نشرت الصحيفة عبر ذلك الحوار عدداً من الافتراءات على الصحابة الأطهار الأبرار تفوّه بها الصادق المهدي ،

ولا غرو فإن من يطعن في الأحاديث النبوية الشريفة الثابتة الصحيحة ويطعن في أنبياء الله تعالى لا يستغرب أن يأتي بالطعن في صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
والطعن في جناب الصحابة (زندقة) !! وضلال مبين ، فإن القدح فيهم قدح في الوحي الذي نقلوه والرسول الذي صحبوه والدين الذي بلّغوه . قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: (هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ليقول القائل : رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحاً لكان أصحابه صالحين).
وقال الإمام أحمد : (إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله"صلّى الله عليه وسلّم" بسوء ، فاتّهمه على الإسلام).
فإن الطعن فيهم طعن في دين الأمة ، لأنه وصلنا من طريقهم. قال الإمام أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)، بل إن الطعن فيهم قدح في حكمة الله جل وعلا في اختيارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وتبليغ شريعته. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه).
لقد جاءت في اللقاء المذكور عددٌ من الافتراءات القبيحة على الصحابة الكرام ، وهي (شنشنات) شيعية رافضية ، لم يأتِ فيها الصادق بجديد !! وإنما هو ناقلٌ لها لا أكثر !! وإن بعض تلك الافتراءات أخذ شكل (العموم) وبعضها تناول بعضهم (بالخصوص) ..
أبدأ برد افتراءات الصادق المهدي على الصحابي الجليل كاتب الوحي (خال المؤمنين) معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – وإن مما افتراه عليه أنه غدر بالحسن بن علي رضي الله عنهما ودسّ له السم، وفي بيان بطلان هذه الكذبة أقول :
وفي البداية نطالب الصادق المهدي بإيراد البينات والأدلة الصحيحة المسندة التي بنى عليها نقله لهذه (الفرية) الخبيثة على معاوية رضي الله عنه .. فالاتهام بالقتل أمر يحتاج إلى بينات صحيحة يثبت بها الاتهام.. ولا ينفع ولا يجدي رمي الكلام على (عواهنه) و(التقليد الأعمى) للحاقدين على الصحابة الكرام ، وكون التهمة الباطلة ذكرت في بعض كتب التاريخ فإن التاريخ قد كُتِبَ فيه الصحيح وغير الصحيح ، ولذلك قام علماء الإسلام المتخصصون في هذا الجانب بتنقيح الصحيح مما جمع ، وبيّنوا ما لا يصح وفق القواعد الشرعية الدقيقة في العلوم المتعلقة بالأسانيد والمصطلح والجرح والتعديل ، وعلم الرجال .. وقد بين بعض من جمع التاريخ بأنفسهم وفي مقدمتهم الإمام الطبري أنهم جمعوا في كتبهم ما يصح وما لا يصح !! ونبهوا إلى أنهم اشتغلوا بأمر الجمع فقط .. وأحالوا الباحثين من بعدهم إلى التمحيص ، فقام الباحثون بذلك على منهج دقيق في دراسة الأسانيد .وهذه المعلومة من بديهيات ما يقرأ في علم التاريخ..
فهل يا ترى قام الصادق المهدي بالبحث في صحة إسناد هذه القصة التي افتريت على الصحابي الجليل معاوية قبل ذكرها للصحيفة التي قامت بنشرها ؟! فإنا نطالبه بإثبات هذه التهمة لتتم مناقشته العلمية فيها.. فإذا كان معاوية رضي الله عنه قد مات فإنه : أحد صحابة نبينا عليه الصلاة والسلام وأحد كُتاب الوحي ، وإنا مطالبون بالدفاع عن صحابة نبينا الكريم .. وقد قال الإمام القدوة عبد الله بن المبارك : (معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شذراً اتهمناه على القوم ، يعني الصحابة ). البداية والنهاية لابن كثير
وإن لم يكن الصادق المهدي قد بحث عن صحة ما نُشر ،..فإنا نطالبه ببيان ذلك أيضاً والرجوع عنه .
قال القاضي ابن العربي المالكي في كتابه (العواصم من القواصم) (فإن قيل: دس على الحسن من سمه ، قلنا هذا محال من وجهين : أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأساً وقد سلم الأمر.الثاني:  أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله ، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه ؟ في زمن متباعد ، لم نثق فيه بنقل ناقل ، بين أيدي قوم ذوي أهواء وفي حال فتنة وعصبية ، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي ، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم).وقال الحافظ ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية): (وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّي الحسن وأنا أتزوجك بعده ، ففعلت ، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال : إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا ؟ وعندي أن هذا ليس بصحيح ، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى). وقال ابن تيمية في كتاب (منهاج السنة النبوية) : (وأما قوله : إن معاوية سمم الحسن فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم .وقال المؤرخ ابن خلدون في التاريخ:  (وما ينقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من الأحاديث الواهية وحاشا لمعاوية من ذلك).هذه نماذج لما قاله علماء الإسلام حول هذه القصة التي افتريت على الصحابي معاوية رضي الله عنه ، فالروايات الواردة فيها باطلة بالإجمال والتفصيل ، فأما الإجمال فيكفي فيه تناقضها ، فبعضها ينسب الأمر بوضع السم لمعاوية رضي الله عنه ، وبعضه ينسبه ليزيد بن معاوية ، وبعضها ينسبه لرواية تقول إن هند بنت سهيل بن عمرو هي التي فعلت ذلك !! وأما التفصيل فقد تناول العلماء تلك الأسانيد وبينوا عدم صحتها وضعفها ، وإن اتجه الحديث في هذا الأمر إلى تبادل الحجج فسأورد ذلك بمشيئة الله بتفاصيله الواضحة وأدلته الدامغة.. وبين العلماء أن الحسين رضي الله عنه لم يذكر في خروجه على يزيد هذا الأمر فلم ينسبه ليزيد كما لم ينسبه لمعاوية رضي الله عنه .
كما وقد بيّن أهل العلم أن الاتهام ينبغي أن يكون للمتضررين من صنيع الحسن رضي الله عنه ، ومعاوية قد تنازل له الحسن بن علي عن الخلافة.. فإن السبط الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه ، قد تنازل لمعاوية رضي الله عنه فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : (سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ ، وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ - أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ وَقُولاَ لَهُ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ فَأَتَيَاهُ فَدَخَلاَ عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالاَ لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا قَالاَ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلاَّ قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ فَصَالَحَهُ فَقَالَ الْحَسَنُ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً ، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
لقد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه وبايعه خليفة للمسلمين ، وفي هذا جمع لكلمة المسلمين ولذلك سمي ذلك العام بعام الجماعة .. وتحقق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام الذي وصف الطائفتين المتقاتلتين بوصف عظيم حيث قال (فئتين عظيمتين من المسلمين) .. فهما طائفتان مسلمتان .. مؤمنتان .. وقد قال الله تعالى : "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) .. وتنازل الحسن لمعاوية رضي الله عنه شهادة عظيمة بفضل معاوية رضي الله عنه وديانته وأمانته وصلاحه للحكم والولاية .. ولولا ذلك لما تنازل له الحسن رضي الله عنه .. فتنازل له وحقن الله بهذا الصنيع دماء المسلمين المؤمنين من الطائفتين وقد أحسن الشاعر القحطاني الأندلسي عندما وصفهم بقوله :
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى*بسيوفهم يوم التقى الجمعان
فقتيلهم منهم وقاتلهم لهـــــــــم *وكلاهما في الحشر مرحومـان
والله يوم الحشــــر ينـزع كلمــــا*تحوي صدورهم من الأضـغان
وليس هذا المقال سطرته لبيان فضائل الصحابي الجليل كاتب الوحي وخال المؤمنين معاوية رضي الله عنه ، وفضائله كتب فيها الكثير ، وهو بالاتفاق أحد الصحابة الكرام الذين شهدوا حنين ومن كتاب الوحي ويدخل في كل النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية والتي تضمنت الفضائل الكثيرة من السبق ورضا الرحمن ، ويدخل ضمن من نهانا النبي الحبيب المصطفى عن انتقاصهم أو سبهم .. فكل فضيلة ثبتت للصحابة الكرام فإن معاوية رضي الله عنه يدخل فيها ، وكل نهي ثبت في النهي عن التعرض لهم بالانتقاص فمعاوية يدخل فيه ، ومع ذلك فقد ثبتت نصوص خاصة في فضائله رضي الله عنه اللهم منها قول النبي عليه الصلاة والسلام : (اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به). رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
وأواصل في الحلقة التالية إن شاء الله.

الأعمدة