الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

board

رسالة إلى من بلغ الستين

لقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال : ( باب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ). لِقَوْلِهِ :  { أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } . ثم ساق بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ : (أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً).

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : (قوله أعذر الله الإعذار إزالة العذر والمعنى أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية ... والمعنى أن الله لم يترك للعبد سببا في الاعتذار يتمسك به والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجة . قوله (أخر أجله) يعني أطاله حتى بلغه ستين سنة وفي رواية معمر لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى يبلغ ستين سنة أو سبعين سنة لقد أعذر الله إليه لقد اعذر الله إليه).  وقال بن بطال المالكي في شرحه للبخاري : (إنما كانت الستون حداً لهذا لأنها قريبة من المعترك وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية فهذا إعذار بعد إعذار لطفا من الله بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية). وقال ابن حجر : (وفي الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك ..  قال بعض الحكماء الأسنان أربعة سن الطفولية ثم الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة, وقد استنبط منه بعض الشافعية أن من استكمل ستين فلم يحج مع القدرة فإنه يكون مقصراً ويأثم إن مات قبل أن يحج بخلاف ما دون ذلك).  وقال العيني الحنفي في شرحه للبخاري : ( أي هذا باب في بيان حال من بلغ ستين سنة من العمر قوله فقد أعذر الله إليه أي أزال الله عذره فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية ولا يكون له على الله بعد  ذلك حجة فالهمزة في أعذر للسلب وحاصل المعنى أقام الله عذره في تطويل عمره وتمكينه من الطاعة مدة مديدة) وقال : (قوله أعذر الله من الإعذار وهو إزالة العذر قوله أخر أجله أي أطال الله حياته حتى بلغه ستين سنة،  قال الأطباء الأسنان أربعة سن الطفولة وسن الشباب وسن الكهولة وسن الشيخوخة فإذا بلغ الستين وهو آخر الأسنان فقد ظهر فيه ضعف القوة وتبين فيه النقص والانحطاط وجاء نذير الموت فهو وقت الإنابة إلى الله عز وجل). وفي فيض القدير قال المناوي : (وقيل لحكيم : أي شيء أشد ؟ قال دنو أجل وسوء عمل). وقال الشيخ العثيمين في شرح رياض الصالحين : (فالذي ينبغي للإنسان كلما طال به العمر ؛ أن يكثر من الأعمال الصالحة ، كما أنه ينبغي للشباب أيضاً أن يكثر من الأعمال الصالحة ؛ لأن الإنسان لا يدري متى يموت ، قد يموت في شبابه ، وقد يؤخر موته ، لكن لا شك أن من تقدم به السن فهو إلى الموت أقرب من الشاب ؛ لأنه أنهى العمر(. وقال أيضاً : "عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة".  والمعنى أن الله ـ عز وجل ـ إذا عمر الإنسان حتى بلغ ستين سنة فقد أقام عليه الحجة ، ونفى عنه العذر ؛ لأن ستين سنة يبقى الله الإنسان إليها ؛ يعرف من آيات الله ما يعرف ، ولا سيما إذا كان ناشئاً في بلد إسلامي ، لا شك أن هذا يؤدي إلى قطع حجته إذا لاقى الله ـ عز وجل ـ لأنه لا عذر له ، فلو أنه مثلاً قصر في عمره إلى خمس عشرة سنة ، أو عشرين سنة ، لكان قد يكون له عذر في أنه لم يتمهل ولم يتدبر الآيات ، ولكنه إذا أبقاه إلى ستين سنة ، فإنه لا عذر له ، قد قامت عليه الحجة ، مع أن الحجة تقوم على الإنسان من حين أن يبلغ ، فإنه يدخل في التكليف ولا يعذر بالجهل ، فإن الواجب على المرء أن يتعلم من شريعة الله ما يحتاج إليه ، مثلاً : إذا أراد أن يتوضأ لابد أن يعرف كيف يتوضأ ، إذا أراد أن يصلي لابد أن يعرف كيف يصلي ، إذا صار عنده مال لابد أن يعرف ما مقدار النصاب ، وما مقدار الواجب ، وما أشبه ذلك ، إذا أراد أن يصوم، لابد أن يعرف كيف يصوم، وما هي المفطرات ، وإذا أراد أن يحج أو يعتمر يجب أن يعرف كيف يحج، وكيف يعتمر، وما هي محظورات الإحرام، إذا كان من الباعة الذين يبيعون ويشترون بالذهب مثلاً، لابد أن يعرف الربا، وأقسام الربا، وما الواجب في بيع الذهب بالذهب، أو بيع الذهب بالفضة، وهكذا إذا كان ممن يبيع الطعام، لابد أن يعرف كيف يبيع الطعام، ولابد أن يعرف ما هو الغش الذي يمكن أن يكون، وهكذا . والمهم أن الإنسان إذا بلغ لستين سنة فقد قامت عليه الحجة التامة، وليس له عذر، وكل إنسان بحسبه، كل إنسان يجب عليه أن يتعلم من الشريعة ما يحتاج، إليه، في الصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والأوقاف وغيرها، حسب ما يحتاج إليه . وفي هذا الحديث دليل على أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ له الحجة على عباده وذلك أن الله أعطاهم عقولاً، وأعطاهم أفهاماً، وأرسل إليهم رسلاً، وجعل من الرسالات ما هو خالد إلى يوم القيامة، وهي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الرسالات السابقة محدودة، حيث إن نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحدودة في الزمن؛ حيث أن كل رسول يأتي بنسخ ما قبله، إذا كانت الأمة التي أرسل إليها الرسولان واحدة ).أ.هـ. هذا بعض ما أفاد به هؤلاء العلماء الأجلاء في شرح هذا الحديث العظيم الذي فيه ذكرى وعظة، وقد تذكرت بهذه المناسبة التي أشرت إليها هذا الحديث فأردت الإفادة بمعناه .. ولا يليق بمن بلغ هذه السن أن ينافس في الدنيا فإنه عن قريب يرحل إلى القبر الذي لن يكون معه فيه إلا عمله !!!
كما أن الواجب على من بلغ هذه السن أن يكف أذاه وشرّه عن دين الله وخلقه، فإن في مجتمعنا من بلغوا الثمانين وتجاوزوها ولا يزالون يحاربون دين الله تعالى بدعواتهم التي لا تقيم للنصوص الشرعية وزناً، وإن تنوعت وسائلهم ومناهجهم وشرّق بعضهم وغرّب البعض إلا أن الهدف واحد وهو معاداة السنة النبوية ومحاولة الوقوف أمام انتشار التوحيد والسنة والوعي بواجبات الدين والتنافس في تعلم العلم الشرعي، فأرجو أن يجعل هؤلاء لأنفسهم ما يردعهم ويوقفهم عن نشر ترهاتهم وأباطيلهم وقد تجاوزوا الستين بعشرات السنين .. والله وحده الهادي سواء السبيل ..
والموفق من وفقه الله ..

الأعمدة

د. حسن التجاني

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

بابكر سلك

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

الصادق الرزيقي

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017