الإثنين، 23 تشرين1/أكتوير 2017

board

ظاهرة إغلاق المساجد في صلاتي الظهر والعصر في رمضان

قبل استقبال شهر رمضان شهر الصيام والقرآن والقيام هذا العام ، بدا لي أن أنبّه – منكراً – على ظاهرة برزت مؤخراً في مجتمعنا ، وهي تصرّف بعض القائمين على بعض المساجد في العاصمة وربما بعض الولايات ،

الذين رأوا أن يغلقوها في نهار رمضان حتى لا يدخل تلك المساجد من يقيلُ فيها وينام، وكنت أتوقع أن الأمر لا يستحق التعليق عليه كونه تصرّفاً فردياً في مسجد من المساجد أو مسجدين ، وشأن التصرّف المنكر (الشاذ) لا يستحق أن يعطى من العناية والإبراز ما لم يصبح ظاهرة وقد وقفتُ بنفسي على ذلك وعلمتُ أن هذا الصنيع بات متكرراً في عدة أماكن.. لقد أتيت إلى أحد المساجد وقت صلاة الظهر فوجدته (مغلقاً) وقد وُضِعَت سجادات في المظلّات الملحقة بالمسجد، فلم يرفع الأذان في ذلك المسجد لصلاة الظهر ولا لصلاة العصر في شهر رمضان الذي فيه المزيد من الاجتهاد في الأعمال الصالحة، وليست هناك إقامة بمكبر صوت ولا يوجد حتى الإمام الراتب الذي يصلي بقية الأوقات، فقد تردّدتُ على هذا المسجد لأكثر من خمسة أيام، والحال كما هو الحال، تعطيل لصلاتي الظهر والعصر، وعدم إعانة للمصلين وجيران المسجد الذين يرغبون في الصلاة في مسجدهم بما يناسبهم من ناحية الجو والفرش، حيث إن بعضهم يخرج من بيته ومن غرفة مكيّفة درجة حرارتها أقل من (20) درجة لينتقل ويصلي في مظلة درجة الحرارة بها تتجاوز (45) درجة. في رمضان يفرح المؤمنون لما يرون من كثرة المصلين في المساجد وكثرة الذين يرتلون القرآن الكريم قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل صلاة العصر وبعدها، وترى حلقات علم ودروس في المسائل الشرعية بعد صلاتي الظهر والعصر، وقد افتقد بعض المصلين ذلك وغيره من أعمال الخير في شهر الخير إذ تم إغلاق مسجدهم طيلة نهار شهر رمضان..
وإن سألت عن السبب الذي حمل هؤلاء على هذا الصنيع بإغلاق المساجد في نهار رمضان لعلمتَ أنهم يحتجون بأن كثرة النائمين بالمسجد يتسخ بها فرش المسجد، أو أن بعضهم يتحجج بأن التكييف يصرف مبالغ كبيرة ولم أسمع من سبب ومبرّر لهؤلاء غير هذين السببين. فأقول : هل جهل هؤلاء الإخوة أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم فيه أصحابه الكرام رضي الله عنهم ؟! أليس لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة بأن يسمحوا لمن يرغب أن يبقى سويعات في نهار رمضان في المسجد ؟!  وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه وغيره من الصحابة الكرام يقيمون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسكنون فيه.
ألا يعلم هؤلاء الإخوة الذين اتجهوا لهذا العمل الغريب على مجتمعنا أن ضيافة الصائمين بتهيئة مكان يصلون فيه ويقرأون فيه القرآن ثم ينام من أراد منهم أن ينام فيه ألا يعلمون أن ضيافتهم لهو شرفٌ عظيم وفخر، فإنهم مؤمنون ومصلون وصائمون ومتطهرون، وقد سعد بضيافتهم كثيرٌ من أهل الخير في بلادنا على مختلف ولاياتها بل تنافس في تهيئة المساجد بالليل والنهار كثيرٌ من المحسنين في بلادنا، بل بعضهم أعدّ أكلاً طيباً وشراباً هنيئاً، وكانوا عوناً بعد الله تعالى لمن أراد أن يعتكف، ويهتدي بهدي النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام الذي كان يعتكف في العشر الأخيرة من رمضان. قال الله تعالى : (... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ، هذا أمر الله تعالى بتهيئة المساجد للمصلين الركع السجود وتهيئتها للعاكفين، فكيف بهؤلاء الإخوة يغلقون بيتاً هو لله تعالى وحول المسجد أصحاب حق يرغبون في أن يعتكفوا في بيت الله تعالى؟! إن إغلاق المسجد في وقتيْ فريضة من فرائض الله تعالى وعدم رفع الأذان في هذين الوقتين وجعل الصلاة فيهما بوضع غير منتظم في ساحات المسجد لهو أمر ليس بالسهل وهو مفسدة عظيمة تهون أمامها ما يراه من يغلق المسجد لأجل ما يصيب فرشه بسبب من ينامون فيه في نهار رمضان، وأما إن كان المبرّر لديهم هو زيادة صرف المال على رسوم الكهرباء فإنهم لو فتحوا باب (التبرعات) إن رغبوا في ذلك فسيجدون من يعينهم بعد الله تعالى في ذلك.
وإن أصرّ هؤلاء الإخوة على منع الصائمين من البقاء في المسجد في نهار رمضان فكان يسعهم أن يفتحوا المسجد لصلاتي الظهر والعصر ثم يقومون بإغلاقه بعد الصلاة بنصف ساعة.  وإن صلاة التراويح سنة مستحبة وصلاتي الظهر والعصر من فرائض الله بل الركن الثاني في الإسلام.
إن الصائمين الذين أرادوا أن يبقوا في المسجد جزءاً من نهار رمضان أغلبهم من المحتاجين ومن أصحاب الدخل الضعيف وبينهم من الضعفة، وإن إعانة هؤلاء لهو الخير الكثير والعمل المبرور وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!).
أرجو أن يتغيّر الحال في رمضان القادم، ويمضي القائمون على هذه المساجد على ما عليه السواد الأعظم في مجتمعنا بأن يفتحوا المساجد للأوقات الخمسة ويحسنوا تهيئتها للمصلين والعاكفين ولا يغلقوها فإنها إغلاق المساجد في نهار رمضان ظاهرة جديرة بالإنكار، عفا الله عنا وعنهم.

الأعمدة