الأحد، 23 تموز/يوليو 2017

board

هل يصح ذكر الله بضرب (النّوبات) ؟!

إن الواجب على كل مسلم ومسلمة إدراك أن الاستقامة على الأذكار الشرعية التي ثبتت في الكتاب والسنة هو الأمر المشروع وهو ما يترتب عليه الأجر والثواب ويقبله الله تعالى ،

وفي ما صحّ في السنة الخير والكفاية من قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله وسبحان الله بحمده وسبحان الله العظيم وأمثالها مما ثبت بالدليل الصحيح الثابت عن خير خلق الله نبيّه ومصطفاه عليه الصلاة والسلام ، فإن الأذكار الشرعية الثابتة في هدي النبي عليه الصلاة والسلام  هي خير الكلام ، وألفاظها ومبانيها ومعانيها عظيمة يجب الإكثار منها والاجتهاد فيها .. وإنّ كل عمل لم يكن عليه النبي عليه الصلاة والسلام فهو رد.. أي مردود على صاحبه (أفمن زُيّن له عمله فرآه حسناً ..)
كان ولازال العلماء يوصون بذلك ، وينهون المسلمين من المحدثات والبدع ، وإن ضرب (النوبات) والتصفيق والرقص والدوران حول النفس ليست من ذكر الله تعالى لذلك ولكمال نصح العلماء فإنهم ينهون ويحذرون من ذلك ، والعجيب أن نقف على تحذير من بعض شيوخ الصّوفية عن هذا المسلك المبتدع ، فقد نقل لنا إبطال إدعاء أن ضرب الدفوف و(النوبات) من ذكر لله في أقوال بعض الصوفية أنفسهم !! ومن باب (وشهد شاهد من أهلها) أسوق ما يلي : قال أبو علي الروذباري المتوفى سنة (322هـ) وهو من كبار الصوفية قال عن السماع وذلك في كتاب (كشف المحجوب) : (ليتنا تخلصنا منه رأساً برأس) وردّ على من قال بجوازه وادّعى الوصول عن طريقه فقال : (نعم قد وصل ، ولكن إلى سقر). وقال الجنيد المتوفى سنة (267هـ) في رجل صحبه في سفره وكان يزعق عند سماع ذكرهم وذلك في (الرسالة القشيرية) فقال : (إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني). وأما السهروردي المتوفى سنة (630هـ) فرفض هذه الظاهرة وما يتبعها ويصاحبها من رقص ودوران ووقوع وصرع .. فقال في كتابه (عوارف المعارف) : (إن أنصف المنصف وتفكر في اجتماع أهل الزمان وقعود المغني بدفه ، والمشبب بشباته ، وتصوره في نفسه ، هل وقع مثل هذا الجلوس والهيئة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهل استحضروا قَوَّالاً وقعدوا مجتمعين لاستماعه لا شك بأنه ينكر ذلك من حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولو كان في ذلك فضيلة تُطْلَب ما أهملوها). وقال السهروردي – أيضاً - في بيان عدم صحة ما يستدل به الصوفية على التواجد وتمزيق الثياب - : (.. ويخالج سري أنه غير صحيح ، ولم أجد فيه ذوق اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ، وما كانوا يعتمدونه على ما بلغنا في هذا الحديث ، ويأبى القلب قبوله ، والله أعلم بذلك). وعدّ الطوسي وهو أحد أئمة الصوفية في كتابه (اللمع) أن هذا السماع .. وما عليه الصوفية في ذلك هو سماع أهل الباطل فقال : (سماع الأوتار والمزامير والمعازف والكونة والطبل سماع أهل الباطل ، وهو المحظور المنهي عنه بالأخبار الصحيحة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). فشهادة القوم أنفسهم فيها عبرة وعظة لكثيرين .. مع أن القاعدة الشرعية هي تجريد الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام ..وللاستزادة الاطلاع على كتاب : السماع الصوفي لمحمد الجوير. قلتُ : أدلة إبطال ما عليه الصوفية من ضرب (الطار) و(النوبات) وما هو مشهور عند العامة بــ "كشلوْ كشلوْ" وما تطوّر عليه الحال حتى وصل إلى ما يقدم في بعض القنوات من أداء هذا العمل المبتدع في دين الإسلام بواسطة نساء متبرجات في كامل زينتهن وبالآلات الموسيقية ، ويؤديه أحياناً الفنّانون الذين يحيون حفلات الرقص والطرب !! أدلة بطلان ذلك واضحة معلومة ، لكن قصدت بإيراد كلام بعض الصوفية في ذلك التنبيه بطريق آخر لبعض من لم يتضح لهم بدعيّة هذا العمل المحدث ليبحثوا عنه (متجردين) عن قيود التبعية قاصدين الوصول إلى الحق .. واضعين التقيد بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته ميزاناً في إثبات المشروع والعمل به والبعد عن الممنوع .. والمبتدع الموضوع.
وأما كلام علماء أهل السنة في ذلك كقول الإمام العلَم الشافعي : (خلفت ببغداد شيء أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن) فهو منشور وهو لدى المذاهب الأربعة في تراثها مشهور غير خافِ. وقال العلامة الطرطوشي المالكي : (وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم، استزلّهم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطقطقة والزمر، واعتقدته من الدين الذي يقرّبهم من الله عز وجل، وجاهرت به جماعة المسلمين، وتسافّت به سبيل المؤمنين وخالفت العلماء والفقهاء وحملة الدين، "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى، ونصله جنهم وساءت مصيراً"). وقال الطرطوشي المالكي – أيضاً - : (وأما الرقص والدق وكشف الرأس وتمزيق الثياب فلا خفاء على ذي لب أنه سخف ولعب ونبذ للمروءة والوقار ولما كان عليه الأنبياء والصالحون).
ومما ورد من علماء أهل السنة في بيان بدعية السماع الصوفي ، والرقص والطرب والتمايل وضرب النوبات وما يتبع ذلك ،  قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) ناقلاً عن المفسر المالكي القرطبي قوله : (..وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سني الأحوال وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرفة والله المستعان). وقال الشاطبي المالكي في بيان الحديث المكذوب في التواجد في كتاب (الاعتصام) : (فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوبة فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها كحديث .. أن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك ، فإن ناقل أمثال هذه الأحاديث – على ما هو معلوم – جاهل ومخطئ في نقل العلم الشرعي ، فلم ينقل الأخذ بشيء منها يعتد به في طريق العلم ، ولا طريق السلوك). وقال القرطبي المالكي في بيان سند الحديث : (إن هذا الحديث مما لا يوجد مسنداً ولا أخرجه في كتابه أحد من أئمة المحدثين ، وإنما هي أحاديث مروجة وأكاذيب مبهرجة وضعها الزنادقة وأهل المجون والمخرفة يرمون بذلك نسبة اللهو والمجون إلى الأنبياء الفضلاء).وقال : (إن الواقف على متن هذا الحديث يعلم على القطع أنه مصنوع موضوع لأن الشعر الذي فيه لا يناسب شعر العرب ولا يليق بجزالة شعرهم ولا ألفاظهم وإنما يليق بمخنثي شعر المولدين). وفي كتاب (تلبيس إبليس) لابن الجوزي أورد قول الإمام ابن بطة المتوفى سنة (387هـ) : (سألني سائل عن استماع الغناء فنهيته عن ذلك وأعلمته أنه مما أنكره العلماء واستحسنه السفهاء وإنما يفعله طائفة سموا بالصوفية ، وسماهم المحققون الجبرية أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة، يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء ، يسمعون من الأحداث والنساء ويطربون ، ويصعقون ، ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً). قلتُ : ليت من يتلبّسون بهذه البدعة إدراك أنها ليست من دين الله تعالى ، وليتهم يدركون أن الغيبوبة والصرع والصراخ والجنون في الذكر ليس أمراً مشروعاً بل المؤمن يذكر ربه في سكينة وإخبات وطمأنينة وأدلة ذلك معلومة ، فاحرصوا على المشروع الذي جاء في وصايا النبي الصادق الأمين ، ودعوا ما شرّعته الطرقية التي أمر شيوخها بقولهم : اذكر إلهك بكرة وعشيّا حتى تخرّ على الثرى مغشيّا .. فالحق بيّن واضح .. وهو ضالة المؤمن.