الأحد، 28 أيار 2017

board

هيبة الحاكم

إن تبجيل المسؤول والحاكم وتوقيره والأدب معه هو من حقوقه، وإن عبارات الثناء للمسؤول هي من الأمور التي حثَّ عليها الشرع وتمليها المصلحة العامة، قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في مساق ذكر حقوق الحاكم : «الحق الرابع: أن يعرف أن له عظيم حقه،

وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة».  وقد ذكر ولخّص ابن جماعة واجبات الحاكم وحقوقه وكان من بين حقوقه الحق المذكور وهو أمر معلوم لدى عامة المسلمين قبل حكامهم.
إن الحاكم والمسؤول يقوم بأعمال ويصدر قرارات وبحاجة لأن تكون له هيبة في قلوب رعيته ، وإن من يتأمل النصوص الواردة في هذا الباب وأقوال السلف الصالح يعلم أن الشارع إنما أمر بتوقير الولاة وتعزيزهم وتبجيلهم والتلطّف معهم، ونهى عن سبهم وانتقاصهم لحكمة عظيمة ومصلحة كبرى، وقد أشار إلى طرف من ذلك الإمام شهاب القرافي المحقق الأصولي الفقيه المالكي فقال: « قاعدة ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلفت عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة..».
إن المصالح التي يجريها الله على يد الحاكم والمسؤول والتي أشار إليها العلامة القرافي هي من الضروريات التي تحتاجها الرعية، وإن إعطاء الحاكم هيبته ومكانته وتوقيره لهو من الأمور المهمة لتكون للحاكم في نفوس الرعية التقدير والاحترام لتستجيب لأوامره ونواهيه مما يخالف حكم الله تعالى.
وفي تأكيد وتفصيل المصالح المشار إليها يقول الفقيه القلعي الشافعي وهو يبين مصالح الحاكم ومقاصد الإمامة: « نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود.  لو لم نقل بوجوب الإمامة، لأدى ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة.  لو لم يكن للناس إمام مطاع، لانثلم شرف الإسلام وضاع. لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر.  لو خلا عصر من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يحج البيت الحرام.  لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى.  لولا السلطان، لكان الناس فوضى، ولأكل بعضهم بعضا».
ويقول التابعي القدوة الحسن البصري في الحكام: «هم يلون من أمورنا خمساً: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود.  والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة».
ولا يعني إعطاء الحاكم والمسؤول الهيبة والاحترام والتقدير والتبجيل أنه ليس له أخطاء، أو أن الثناء عليه يعني إقراره في أخطائه، فليس ذلك بلازم لتوقيره وحسن الأدب معه، قال الفضيل بن عياض العابد الزاهد: « لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له:  يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال:  إذا جعلتها في نفسي لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين».
وهكذا عمق العلم الشرعي وإدراك المقاصد الشرعية والحرص على المصالح العامة مع التجرد عن الأطماع الشخصية والأهواء والتكتلات الحزبية يجعل هؤلاء العلماء ينطقون بالحكمة وهو ما لخصه الفضيل أعلاه، إذ وجود أخطاء لا يسوّغ أن ينتقص الحاكم أو المسؤول أو تسقط هيبته وهو ما نراه في بعض الصحف وكثير من وسائل التواصل، خاصة ما يكون في بعض الرسومات و«الكاريكاتيرات» وعبر «دبلجة» بعض الصور والمقاطع مما يتنافى مع النصوص الشرعية وإنزال الناس منازلهم، وللنقد البنّاء والنصيحة أساليبها الشرعية التي تتحقّق بها المصالح العامة والخاصة ولم تغفِل ذلك الشريعة الكاملة الخاتمة.
ليت الكثير من الكُتّاب والصحافيين تأمّلوا ما سطره علماء الإسلام في هذا الباب وفي غيره مع النظر في ما يتحقق من مصالح يرون أنها من أهداف وغايات الصحافة، فدور الصحافة المهم العظيم لا يسوّغ الأساليب غير السديدة والتي منها الإساءة للحاكم والمسؤول ومما ورد في نصائح العلماء قول سهل بن عبد الله التستري: «لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين: أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين: أفسدوا دنياهم وأخراهم»..
وأختم بهذا النقل عن الشيخ الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين حيث قال: « فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس. كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى.  وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها. فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن. لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، فحصل الشر والفساد. فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان وأن يضبط الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب.  وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة...».
على ضوء هذه الدرر وأمثالها من كلام أهل العلم الذي بني على نصوص الكتاب والسنة يبني السلفيون مواقفهم في هذا الأمر وغيره من الأمور، فهم أعرف الناس بالحق وأرحم الخلق بالخلق، ومن المناسب الإشارة إلى بعض النصوص الثابتة الواردة في المسألة:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله عز وجل:  من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة أو خرج غازياً أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته، فسلم الناس منه وسلم من الناس» رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم وهو صحيح بطرقه. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله» أخرجه ابن أبي عاصم وهو حديث حسن، وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من ألتمس ذله ثغر ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت». أخرجه ابن أبي عاصم وهو حديث صحيح.  بهذا الموجز تبيّنت المصالح المرعية التي يجب أن يحرص عليها وهو ما وجّهت به النصوص الشرعية لحفظ مكانة الحاكم والمسؤول وإعطائه هيبته وتوقيره لما يترتّب على ذلك من المصالح التي أشرتُ إليها.