الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

مآل المقاتلين عصبية

إذا عرضنا الدعوة للانتصار للقبيلة وإثارة العصبية .. بل والقتال لأجل العصبية .. إذا عرضنا ذلك على دين الإسلام العظيم الذي ختم به الأديان فإنه يتبين لنا بوضوح تصادم (وسائل) هذا (القائد) بذلك ، ولن أطيل في هذه القضية التي لا يُجهل حكمها!! ولكني أشير إشارة بهذه الأحاديث :

*عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( .. من قاتل تحت رايةٍ عُمِيّة يدعو إلى عصبيةٍ أو يغضب لعصبية ، فقتل ، فقتلته جاهلية )  ، وفي لفظ : (.. ومن قتل تحت رايةٍ عُمِيّةٍ يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي ) .
والعصبة : بنو العم ، والعصبية أخذت من العصبة .
*عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل تحت راية عمية يدعوا عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية ) .
*عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( .. ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم ) . والدعوة للعصبية هي من الدعوات الجاهلية.
*عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس منا من دعا إلى عصبيةٍ ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبيةٍ ) .
والأحاديث الواردة في هذه القضية كثيرة في (أعدادها) ، وواضحة في (مدلولاتها ومعانيها) ، وأختم هذا التمثيل بهذا الحديث :
*عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم  في قبة من أَدَم ، فقال : ( من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه ) . قوله ( يُنزع ) : يعالج ويحاول أن يخرج عنها .
ومعنى الحديث : أن من نصر قومه على غير الحق فقد أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة ، حيث أراد الرفعة بنصرة قومه ، فوقع في حضيض بئر الإثم ، وهلك كالبعير ، فلا تنفعه تلك النصرة كما لا ينفع البعير نزعه عن البئر بذنبه .
وقيل : شبه النبي صلى الله عليه وسلم القوم ببعير هالك ، لأن من كان على غير حق فهو هالك ، وشبه ناصرهم بذَنَب هذا البعير ، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من الهلكة ، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها  . أهـ .
هذا هو التوجيه الرباني العظيم .. والمنهج النبوي الكريم .. في هذه القضية (الواضحة) ، ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام هو (الحريص) على (سعادة) أمته و(نجاتها) و(سلامتها) في الدنيا والآخرة ، فإنه قد حذّر هذا التحذير العظيم ، ونفّر من هذه الدعوة (المقيتة) (العنصرية) واستخدم لذلك التنفير عبارات وألفاظاً لا يجد من يقف عليها إلا أن ينأى ــ بل يبذل كل ما يستطيع ـ للبعد عن الوقوع فيها وهي (هلكة) .. فإن مصير الداعي إلى تلك الدعوة (القبيحة)  ..  وشؤم مآله ..قد بينته هذه الأحاديث الشريفة .. كما أن التحذير جاء لأن العصبية القبلية هي من أشر الدعوات وأكثرها فتكاً بالمجتمعات ، وأقرب وأسرع الطرق لتمزيقها وفشلها وخذلانها، ولذلك كانت ولا تزال موضع عناية من (أعداء الإسلام) بمختلف (أشكالهم ) واختلاف (ألوانهم)!! وتعدد (ألسنتهم)!! فهم الذين يُؤججون نارها ويزيدون من لهيبها ، ويؤيدون بل ويدعمون من يتبناها!!
نتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه جميع من يقاتلون لأجل العصبيات والقبليات والحزبيات في بلادنا وبلاد المسلمين قد وضعوا السلاح، واستجابوا لنداء الشرع وتوجيهاته، وعملوا بمقتضى العقل، وانتبهوا لصوت الحكمة .. فإن أفعالهم في تمردهم على أمن بلادهم مشؤومة، وعواقبها وخيمة، وإن هلاك الحرث والنسل وإراقة الدم المعصوم في الأرض من أعظم صور الفساد في الأرض ..
وليت قادة الحركات المسلحة استفادوا من الدروس والعظات والعبر التي رأوها بأعينهم، فإن السعيد من وعظ بغيره، فكيف بمن لا يتعظ بنفسه؟!