الخميس، 24 آب/أغسطس 2017

board

بين (الصُوفيّة) و (الخوارج القَعْدِيَّة)

ألغت السلطات الأمنية بالبلاد يوم الأحد الماضي, محاضرة بقاعة الصداقة كان يرغب في إقامتها بعض الصوفية بعنوان (التصوف قضايا آنية ، ورؤية مستقبلية)، فاعترض على إلغاء المحاضر بعض المتصوّفة واحتجوا أمام قاعة الصداقة ،

وصدر بعد ذلك عددٌ من البيانات ، فإننا في زمان أصبح فيه إصدار البيانات هو الطريقة المناسبة (البديلة) لبيان الحجج ومناقشة المسائل ، وتصويب الرأي وتخطئة الآخر ، وهذا ما عهد عن بعض (المتصوّفة) في الفترة الأخيرة ، فما أن تمر أيام إلا وبيان يصدر كالبيانات التي صدرت بعد خطبة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير ، وبيان لقاء أم ضواً بان قبل أيام ، وبات طابع كثير من تلك البيانات (الاحتجاجات على الدولة) و(التهديد) أحياناً و(التشنّج) ، وكيل الاتهامات على من يخالفهم أهل التصوّف خاصة من يسمونهم (الوهابيّة) ، ولم تخل بعض تلك البيانات و(الاعتراضات) من سب وشتم وتسفيه لبعض ضيوف البلاد، وهو ما لم يعرف عن أهل السودان في تاريخهم الطويل من كرم الضيافة وعفة اللسان خاصة للضيوف الموافقين أو المخالفين ، وتتضمن بعض تلك البيانات التي أصبحت تنشر بين حين وآخر حيث سهل النشر عبر برامج التواصل !! تتضمن إدعاءات أن التصوّف هو الأصيل في البلاد وما سواه دخيل !! وأن أهل التصوّف هم غالبية أهل السودان ، وغير ذلك من الدعاوى العريضة التي لا تثبت أمام المنهج العلمي الموضوعي والبحث والتحقيق ، وقد ناقشت في عدد من المقالات بهذا العمود تلك الدعاوى وتبيّن من خلالها : من الأصيل ومن الدخيل حقّاً، وتأريخ دخول الصوفية في السودان، وتأريخ دخول الإسلام على أيدي الصحابة والتابعين في السودان ومقارنة ما كانوا عليه وأنه يتطابق مع ما عليه (أهل السنة)، وفي المقابل مخالفات أهل التصوف لما كان عليه الصحابة والتابعون .
والجديد في البيانات الصوفية التي صدرت ونشرت في الوسائط في اليومين الماضيين عقب إلغاء المحاضرة المذكورة أنها ركّزت هذه المرة بصورة أكبر على تهديد الحاكم !! وبيان مثالبه، والدعوة لتهييج منسوبي التصوّف لأخذ ما يرونه من حقوق منعوا منها بالقوة !!
لنأخذ أمثلة من بيانين من تلك البيانات : الأول للإزيرق الذي عرّف بنفسه بحسب البيان المنشور أنه الأمين العام لرابطة علماء التصوف بالسودان فقد جاء في بيانه العبارات التالية :
قال : (انطلاقاً من إلغاء جهاز الأمن لندوة قاعة الصداقه الأحد 21/4/20017م (((التصوف قضايا آنية ورؤية مستقبلية))) والتي قد قمت بشخصي الضعيف بالاتصال تلفونيا مع أكثر من خمسين خليفة سجادة صوفية وتنويرهم بضرورة رفع يدهم من المؤتمر الوطني كحزب والانحياز لمصلحة الوطن بخطاب الدوله عبر حوار بناء لاسترداد الحقوق وصناعة هيئة موحدة ..) ، وقال : (هو تمكين نظام البشير للسلفية الوهابية بحسب ارتمائهم في أحضان الريال السعودي ..) وقال : (ثانيا عمل وثيقة تسمى ميثاق بيعة الحقوق والمواجهة يوقع عليها المشايخ والعلماء برفع يدهم من حزب المؤتمر الوطني وصناعة هيئه تتبنى كل القضايا الصوفية وذات الصلة لانتزاع الحقوق ومواجهة الملفات بصورة جماعية ..) وقوله : (سيسجل مجموعة الخمسمائة شخصية حزبا سياسيا داخل السودان ليواجه ونمتحن الحريات والديمقراطية وأما إن نصل للغايات أو نمضي شهداء).
هذه مقتطفات من بيان الازيرق وفيه الدعوة للثورة على الحاكم ومواجهته والتخطيط لذلك. وفي بيان آخر نشر باسم شخص يدعى الطيب صلاح قال : (للأسف الشديد فإن هذا النظام يثبت يوماً بعد يوم نفاقه السياسي وعداءه لأهل التصوف ،فتسمع من رئيسه أقوالاً يتم تطبيقها بالعكس تماماً على أرض الواقع) وقال : (لا بد أن يتيقن الصوفية أن الحكومة هي عدوهم الأول قبل الوهابية  حيث أنها لا يضيرها تمكن أي فكر في هذه البلاد سواء كان شيعة أم وهابية أم صوفية بل ما يهمها هو السلطة والريال! ..) وقال : (ما نشهده من "انبراش" وما شهدناه بالأمس من انبراش بعض من المشايخ عند حديثهم أمام تلك الحشود الغاضبة وذلك الحديث المعسول عن حنان ولطف ورقة السيد الرئيس ووسطية الصوفية لدليل حقيقي على مكمن الداء عند الصوفية ألا وهم الشيوخ الذين يقدمون مصالحهم الشخصية وأجندة المؤتمر الوطني على منهج التصوف الذي نالوا بفضله هذه المكانة والجاه ولولاه لكانوا هم ومن ينسبون إليه صفراً  ! كما يكشف جهل هؤلاء الذين من المفترض أنهم كبارنا ومن عليهم المعول بمنهجهم وبالواقع الذي آل إليه أمر التصوف في السودان وإذا كان الغراب دليل قوم وصل الغراب وما وصل القوم!) وقال : (وقد أعجبني بالأمس ذلك الأسد الشاب الذي قاطع أحد الشيوخ المنبطحين عندما قال: أنا رجل برلماني سابق وعندي يقين بأن الرئيس سينصفنا إن ذهبنا إليه فأجابه قائلاً : هو الذي من المفترض أن يأتي إلينا ! ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه إلا بسبب هذه المواقف! ثمانية وعشرون عاماً ! هل الرئيس غائب عما تفعله مؤسساته ضد الصوفية؟! أم هو اللعب والضحك على الصوفية؟! ولسان حال النظام يقول :هؤلاء دراويش لا يفقهون في السياسة شيئا ! 3_ تلك بلاد الحجاز كانت معقل التصوف في العالم فلما استولى عليها الوهابية لا تجد الآن فيها للصوفية بقية والحبل على الجرار والدور عليكم يا صوفية السودان إذا لم تنهضوا وتهبوا في مواجهة هذه المؤامرات الذي تقف خلفها الحكومة  أولاً ثم الجماعات الوهابية ثانياً قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم قد ينال الأمن من فزعا ! وهذا الأمر به قد صرح به الوهابي محمد عثمان إسماعيل والذي قال بأن الوقت الآن غير مناسب لهدم القباب بالجرافات وإنما لهدم القباب من القلوب ! ختاماً أقول:  ما جرى بالأمس و هو حلقة من سلسلة حلقات استهزاء واستضعاف النظام للصوفية ولن يتوقف الأمر عند ذلك فماذا نحن فاعلون ؟! أين غيرتنا منهجنا؟! هل سيواصل المشايخ الانهزام لهذا النظام المحارب لهم بسبب غيابهم عن الواقع أو بسبب عربة لاندكروزر وحفنة من الدقيق وحج مجاني ؟! كتبه :الطيب صلاح) انتهى .. !!
قلتُ : لي مع هذه البيانات وهذه المواقف وقفتان موجزتان:
الأولى : إن الواجب على الرعية تجاه ما يأمر به الحاكم أو ينهى : السمع والطاعة ما لم يؤمروا بمعصية الله تعالى ، وإن الموقف الواجب تجاه إلغاء هذه المحاضرة أن يقول القائمون عليها ومن دعوا إليها : سمعنا وأطعنا ، وهذا من حق الحاكم أن يطاع في غير معصية الله تعالى.
إن الحق الأول من حقوق الحاكم  : بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، قال الله تعالي : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) . وأولو الأمر هم : الإمام ونوابه – عند الأكثرين – وقيل : هم العلماء ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب – أو كره – ما لم يؤمر بمعصية.... ). فقد أوجب الله – تعالى – ورسوله : طاعة أولي الأمر ولم يستثن منه سوى المعصية فبقي ما عداه على الامتثال.
قال العلامة المطهر في شرح هذا الحديث : (يعني :سَمْعُ كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام ) ، وقد أخرج البخاري ومسلم في  صحيحيهما عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -، قال : دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فبايعناه ، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال : ( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ).
وكم منع الحاكم من محاضرات لعدة جهات وقابلها من منع منها بالسمع والطاعة والانقياد.
الوقفة الثانية : إن الدعوة إلى تهييج الناس على حكامهم والحث على تعبئتهم وتحريضهم على نزع اليد عن الطاعة بل والدعوة لمواجهة الحكام والاعتراض على قراراتهم هو من صنيع الخوارج (القعدية)، وإن من فرق الخوارج التي لم يسمع بها بعض الناس فرقة تعرف بــ "القَعْدِيّة" ، وهم : المحرضون على الخروج على الحكام ، وإن لم يخرجوا، وقد سماهم أهل العلم بـ"القعديّة" ، فقد عدّد الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي - رحمه الله - الفرق الضالة فقال : ("القعدية": الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك).وفي كتابه "تهذيب التهذيب" يعرف بهذا النوع من الخوارج فيقول : ("القعدية": والقعد الخوارج كانوا لا يُروْنَ بالحرب بل ينكرون على أمراء الجور حسب الطاقة ويدعون إلى رأيهم ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه).
فإن الخوارج ليسوا هم من يقاتل الحاكم بالسيف فقط !! فإن "القعدية" فرقة من الخوارج ، يزينون الخروج على الحاكم الجائر ويهيجون العامة ويوغرون الصدور عليه..
و"القعدية" غالباً أخطر من الخوارج أنفسهم ؛ إذ أن الكلام وشحن القلوب وإثارة العامة على ولاة الأمر له أبلغ الأثر في النفوس وخاصة إذا خرج من رجل بليغ متكلم يخدع الناس بلسانه وخطابته أو كتابته ويخرج ذلك في قالب النصح.
روى أبو داود في مسائل الإمام أحمد- رحمهم الله - عن عبد الله بن محمد الضعيف - رحمه الله - أنه قال: "قُعّدُ الخوارج هم أخبث الخوارج".
قلتُ : إن الدعوة لهذه المواجهات هو من الأمور الدخيلة على أهل السودان لكن لا يستغرب أن يفصح بعض الناس بذلك طالما أن السلف الصالح بينوا أن أهل البدع يجتمعون عند (السيف) ومواجهة حكام المسلمين وعامتهم بالسيف قال الإمام البربهاري: « واعلم أن الأهواء كلها ردية، تدعو كلها إلى السيف» وعن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال: «ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف»
والمقال القادم بمشيئة الله عنوانه : (هل الصوفية مُهَمّشون؟!).