الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

board

الدعاء جماعة بعد الفريضة والذِكْر الجَــــماعِي

في الأيام الماضية تكرّر من بعض (الثائرين) في هذه الأيام من المتصوّفة تعداد لبعض الأمور التي يرون أنها تصلح نماذج يستشهدون بها على أنهم في (عزلة) وأنه لم يعد يلتفت إليهم !! وأنهم مهمَّشون !! وغير ذلك مما سأتناول نقضه في مقال خاص ينشر في الأيام القادمة إن شاء الله تعالى ..

ومن الأمور التي كرّرها بعض الناطقين باسم التصوّف في هذه الأيام احتجاجهم على إفتاء مجمع الفقه بعدم جواز الذكر الجماعي، ورأيت أن يكون لعمود (الحق الواضح) الذي يعتني بالجوانب العلمية في طرح موضوعي (واضح) البيان في هذه المسألة وفي مسألة الدعاء الجماعي بعد الفريضة فأقول:
إن عادة (الدعاء الجماعي بعد الصلوات المفروضات) هي عادة منتشرة في كثير من المساجد ببلادنا، ويصرّ عليها كثير من عامة الناس ومن المتصوّفة، وهي مسألة: الدعاء جماعة بعد أداء صلاة الفريضة، ولبيان حكمها فإنه يقال أولاً: إن على من يفعل هذا الأمر أن يأتي بالدليل الذي يدل عليه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بالتزام الدعاء الجماعي بعد صلاة الفريضة، ولا دليل على ذلك، ثم إني أقول إن المالكية قد اعتنوا ببيان حكم هذه المسألة.
قال العلامة القرافي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه (الفروق) في الفرق الرابع والسبعين والمئتين بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه:
(السبب الثالث للكراهة كونه سبباً لتوقع فساد القلوب وحصول الكبر والخيلاء كما كره مالك وجماعة من العلماء رحمهم الله لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهراً للحاضرين فيجتمع لهذا الإمام التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وعباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء، ويوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه.
 ويروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يدعو لقومه بعد الصلوات بدعوات فقال: لا إني أخشى أن تشمخ حتى تصل إلى الثريا ــ إشارة إلى ما ذكرنا ــ ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره وخشي على نفسه الكبر بسبب ذلك، فالأحسن له الترك حتى تحصل له السلامة). انتهى
قلت: ليت بعض من يتبّعون الإمام مالك رحمه الله يعملون بمثل هذه التوجيهات الشرعية التي تراعي مقاصد التشريع في قطع أبواب البدع والمحرمات وتجعل سداً منيعاً بين العباد والغلو في الدين، وتحرس بها السنن المرعيات، فانظر ــ رعاك الله ــ إلى تعليل الإمام مالك رحمه الله (ويوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه) وقارن ذلك بما عليه حال (كثير) من شيوخ التصوّف، وما يعتقده كثير من العامة فيهم في جانب الدعاء لهم !! حتى اعتقد كثير من الناس أن الدعاء لأنفسهم لا يكون إلا من جهة الشيخ!!
والكلام المنقول عن الإمام مالك ــ رحمه الله ــ أعلاه وما استشهد به العلامة القرافي ــ رحمه الله ــ من فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ يتوجه إلى ما يحدث المرة والمرتين، ومع ذلك جاء النهي واضحاً عنه، أما إذا أصبح عادة بألا ينصرف الناس بعد صلاة الفريضة إلا بدعاء جماعي يدعو الإمام ويؤمنون خلفه فإنه من باب البدع المحدثة التي هي مخالفة شرعية عظيمة، فإن التعبد لله تعالى بشيء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه من الإحداث في الدين، وإن شر الأمور محدثاتها كما ورد في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم.
والمنقول في إنكار ابتداع الدعاء الجماعي بعد الصلاة المفروضة عن جمع من علماء المذهب المالكي لكنّ المقصود ذكر المثال.
 وأما مسألة (الذكر الجماعي) التي وجدت نصيباً من (الضجيج) في هذه الأيام فإني أكتفي في بيان حكمها بإجابة للعلامة الفقيه الشيخ محمد العثيمين رحمه الله عن سؤال لأحد الإخوة السودانيين، انتقاءً من كتابي المعنون بــ (أجوبة الشيخ ابن عثيمين عن أسئلة السودانيين) والذي جمعتُ فيه حوالي مئتين وخمسين فتوى رتّبتها على الأبواب الفقهية، وهي أجوبة عن أسئلة أرسل بها أصحابها من السودان لبرنامج (نور على الدرب) الذي يبث بإذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية.
(السؤال) : المستمع محمد محمد حسن سوداني مقيم بالباحة يقول: (لقد سمعت كثيراً أن الذكر الجماعي بدعة ولا يجوز، ولكن حسب علمي المتواضع اطلعت على بعض الأحاديث التي تفيد أنه لا حرج في ذلك، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بما معناه: أنه ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. وأعتقد أن السيوطي أشار لهذا الحديث في كتابه الحاوي للفتاوى، وبناءً عليه قال بجواز الذكر الجماعي. ثم الحديث الآخر والذي معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة من أصحابه فقال لهم: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. فلم ينكر عليهم ذلك. وواضح أن الذكر هنا مطلق، علماً بأن كل ذلك يتعارض ويتناقض مع ما جاء في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ). نرجو أن توضحوا لنا الصواب في هذا الموضوع وفقكم الله).
 (الجواب) : فأجاب الشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى بقوله : (الصواب في هذا الموضوع أن الحديث الذي أشار إليه السائل بل الحديثين في الذين يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وكذلك في القوم الذين يذكرون الله: أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد المتعارف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن من المتعارف بينهم أنهم يذكرون الله تعالى بلفظ جماعي، أو يقرأون القرآن بلفظ جماعي. وفي قوله: ويتدارسونه بينهم يدل على أن هذه المدارسة تكون بالتناوب: إما أن يقرأ واحد فإذا أتم قراءته قرأ الثاني ما قرأ الأول وهكذا، وإما أن يكون كل واحد منهم يقرأ جزءاً ثم يقرأ الآخر مما وقف عليه، الأول هذا هو ظاهر الحديث.
وأما الحديث الآخر الذي فيه أنهم يذكرون الله تعالى فإنا نقول: هذا مطلق، فيحمل على ما كان متعارفاً عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن متعارفاً بينهم أن يجتمعوا وأن يذكروا بذكر واحد جماعة. ويدلك على هذا أن الصحابة رضوان الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج كان منهم المكبر ومنهم المهلل ومنهم الملبي، فكل إنسان يذكر الله تعالى بنفسه. وأما قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) فهذا مراد به الذكر الخاص للمرء، وهو أيضاً مخصوص بما دلت عليه السنة من الجهر به، فإنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يشرع الجهر بالذكر بعد الصلاة المكتوبة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قول بعض أهل العلم : إن الإسرار به أفضل، وإجابتهم عن حديث ابن عباس بأن ذلك للتعليم فإن فيه نظراً، وذلك لأن التعليم يحصل بدون هذا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد علم فقراء المهاجرين ماذا يقولونه دبر الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين). ثم إن التعليم يحصل بالمرة الواحدة، لا بأن يحافظ عليه النبي عليه الصلاة والسلام في كل صلاة، أو يحافظون عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في كل صلاة. ثم نقول: سلمنا أنه للتعليم، فهو في التعليم في أصل الذكر وفي صفته، بمعنى: أن الرسول يعلمهم ما هو الذكر الذي يقال في أدبار الصلوات، وما كيفية تلاوة هذا الذكر والإتيان به أنه يكون جهراً، وهذا هو القول الذي يؤيده حديث ابن عباس المذكور، وهو في صحيح البخاري).أسأل الله أن ينفع بإجابة الشيخ رحمه الله وأن يوفق علماء المسلمين لما فيه خير أمتهم ..
وأرجو من (المعترضين) من المتصوّفة على فتوى مجمع الفقه في مسألة الذكر الجماعي الاتجاه للمناقشة العلمية وبيان الحجج، وليس من المناسب هذا الأسلوب المتضمّن توجيه جهات للفتوى لأن تكون إجاباتهم حسب الطلب!! ولو تأمّلوا لوازم قولهم لسكتوا وكفوا مؤونة مناقشة هذه الاحتجاجات التي تذكر إحصائيات في نسبة المتصوّفة وعدد المساجد هي ليست علمية ولا واقعية، والكثرة والقلة ليس لها التأثير في مثل هذه القضايا، وإنما العبرة بالدليل ونحن في زمن انتشار سؤال الناس وقولهم (ما دليليك؟!) وانتهى عهد : (سلم له وكن طروح كالجسد الما في روح) !!

الأعمدة

د. حسن التجاني

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

بابكر سلك

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

الصادق الرزيقي

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017