الأربعاء، 16 آب/أغسطس 2017

board

أيهما أولى بوصف (الضِرار)؟! (1)

في لقاء نشر بصحيفة (الجريدة) يوم الثلاثاء الرابع من شهر رمضان عام 1438هـ مع محمد حسن الفاتح قريب الله جاء في عناوينه الرئيسة قوله : (لا يمكن أن نقبل بمخلفات الآخرين في السودان)

وقوله (المساجد الضرار يجب أن تزال بحكم الشريعة ومن يصلي فيها يناصر أعداء الشريعة وتقسيم المسلمين)، وفي إيجاز المحرر لما تضمنه اللقاء كُتِب أن محمد حسن الفاتح حذّر : (من مغبة حرب دينية في البلاد لا تبقي أخضر ولا يابساً بسبب تمدد الحركة الوهابية وتشييد مساجد ضرار نهت عنها الشريعة الإسلامية وأوجبت إزالتها، وقال في حواره مع (الجريدة) إن الفكر الوهابي لفظ حتى في بلاده الأصل بالسعودية، وأقام مؤتمراً هناك للبحث عن وطن بديل، وتم اختيار السودان لاحتضان هذه الحركة التي قال إنها دخيلة ليست على المجتمع السوداني فحسب وإنما على الدين الإسلامي نفسه...). ولي مع هذا اللقاء هذه الوقفات:
الوقفة الأولى
إن المساجد التي شيّدها (أهل التوحيد) في السودان والتي هي آلاف .. من جامع ومسجد ومصلى في العاصمة وفي كل الولايات، في القرى والحضر، على مستوى الجوامع الكبيرة والمساجد الصغيرة، والمراكز الضخمة والمصليات، ومنها ما تم تشييده بواسطة الجهات الرسمية، ومنها ما تم تشييده داخل مؤسسات حكومية، ومنها ما أشرف عليه في كل مراحله ولاة ولايات ومعتمدون وغيرهم .. والطلبات التي لدى أهل السنة عموماً لتشييد مساجد جديدة قد تفوق ما تم تشييده من المراكز والمساجد والمصليات، والبلاد بحاجة ماسة إلى الدعم وتضافر الجهود لأجل إعمار بيوت الله والحمد لله رب العالمين على الإقبال على المساجد وامتلائها رغم كثرتها في بلادنا. والحمد لله على ما تحقّق من الخير الكثير في هذا الجانب وجزى الله خيراً المحسنين الذين ساهموا بأموالهم لبناء هذه المساجد ليرفع فيها ذكر الله ويؤدى فيها حقه (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً).
الوقفة الثانية
هذه المساجد تم تشييدها بالطرق الرسمية من البداية وحتى النهاية، بدءاً من لجنة المسجد وأهل الحي واللجان الشعبية وأمانة العقيدة والدعوة وغيرها من الجهات المختصة وكذلك الأراضي والشؤون الهندسية وغيرها، وإن المؤسسات الدعوية والمنظمات الخيرية التي قامت بتنفيذ مساجد أهل السنة أهل التوحيد الذين يصفهم محمد حسن الفاتح بأنهم (وهابية) هذه المنظمات تتبع لـــ (مفوضية العون الإنساني) وهي جهة سيادية معتبرة في الدولة لها نظمها ولها إشرافها المباشر على هذه المنظمات وترفع لها الميزانيات سنوياً وتشرف على اجتماعات الجمعيات العمومية لهذه المنظمات. وعليه فليعلم المفتي بغير بينة في هذه المساجد بأنها مساجد (ضرار) أن خصمه في دعواه هذه الدولة كلها بمؤسساتها المختلفة وليس من يعنيهم ويقصدهم فقط.
الوقفة الثالثة
أهل السنة، أهل التوحيد، السلفيون في السودان، هم من (أبناء هذا الوطن)، لديهم (أرقام وطنية) و(جوازات) سودانية و(بطاقات قومية)، لهم حقوق في بلدهم وعليهم واجبات، يتساوون مع محمد الفاتح ومع غيره، فما الذي يمنعهم من إقامة مساجد ومصليات وجوامع طالما كانت بالطرق الرسمية؟!
بأي شرع أو عرف أو قانون يستنكر بعض المتصوّفة هذا الأمر في هذه الأيام؟! وما المبرّر للحديث عن أهل السنة ــ الذين انتشرت دعوتهم إلى التوحيد وهي الموافقة للشرع والعقل والفطرة ــ وكأنهم ليسوا سودانيين؟! هل يعتقد محمد الفاتح الصوفي السماني والمدعو الخنجر وغيرهما أن جنسيات أهل السنة السلفيين في السودان غير صحيحة؟! أم أنهم مواطنون من درجة ثانية أو أخيرة ؟! ما هذا العبث ؟! وما هذه (المهازل) ؟! أقول هذا والواقع أنه لا يعرف عن السلفيين في بلادنا إلا أنهم يكفلون الأيتام والأرامل والأسر الفقيرة والدعاة ومحفظي القرآن والأئمة والمؤذنين، ويحفرون الآبار ويشيدون المساجد ويبنون المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس، هذا وغيره هو مما اشتهروا به، ولم يشتهروا بأنهم يطلبون أخذ (البياض)!! الذي يؤصّل له المتصوّفة، قال البرعي موصياً المريد كيف يكون مع شيخه : له مالك قدّمو ولا تنس مُقَدّمُو !! وفي مقطع مرئي متداول قبل أيام يدّعي الخنجر أن الشيوخ يعطون المطر حسب (البياض)!!
الوقفة الرابعة
مسيرة مساجد أهل التوحيد في السودان في عطائها ودعوتها من الأمور المعلومة، حيث الدعوة بالتي هي أحسن، والدعوة إلى اجتماع كلمة المسلمين على الحق، وفيها الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة ونبذ الغلو والتكفير والإرهاب بكل صوره، وجهود أهل التوحيد في كشف أباطيل جماعات التكفير ومناظرتهم وتوزيع الكتب التي تحذر من فتنة التكفير وتضمين مقررات كلياتهم ومعاهدهم التحذير من جماعات الغلو في التكفير من الأمور المعلومة، والخطاب الدعوي لأهل السنة بفضل الله تعالى مقبول في مجتمعناً، ولذلك فقد قبِل المجتمع بكل أطيافه دعوة التوحيد، ووجدت هذه الدعوة ــ التي ترتكز على الكتاب والسنة ــ حيث ما اتجهت المجال مفتوحاً والترحيب واسعاً، خاصة أن دعوة أهل التوحيد واضحة، ليس فيها خفاء ولا غموض، وليس فيها ما يخفى عن (العامة) ويكون هو (للخاصة)، وإنما هو الدعوة إلى إفراد الله بالتوحيد، وتجريد المتابعة لرسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وعليه فإن الفرى والاتهامات التي ترمى على عواهنها من الأمور التي لا يقبلها العوام في مجتمعنا قبل العلماء، وذلك لأن الجميع يرى ويشاهد الواقع، وأما صدور بعض التصرّفات التي هي (تفلّتات) في الخطاب الدعوي من بعض الأفراد فهذا أمر شاذ، وإن علماء ودعاة أهل السنة هم أكثر من نبّه إلى أن ظاهرة (التشنج) في الخطاب الدعوي ظاهرة فردية شاذة.
الوقفة الخامسة
إن عدم رضاء المتصوّفة عن هذه الدعوة هو أمر طبيعي !! لأن دعوة التوحيد تحذر من دعاء الأموات، وتحذر من الاستغاثة بالموتى، ومن الطواف بالقبور والنذر لها، وتبيّن التفريق بين حق الخالق وحق المخلوق، وتحذر من بناء القباب والأضرحة، ومن البدع بأنواعها، ومن البيعة الطُرقيّة ودعوى أن الشيخ واسطة بين المريد وربه !!، وتحذر من إدعاء معرفة المغيبات، وأخذ أموال البسطاء والمساكين بتلك الدعاوى الباطلة، وغير ذلك، فهذا ونحوه لا يعجب بعض المنتسبين للتصوّف، مع أن أعداداً كبيرة تبيّن لها الحق بأدلته الواضحة فانخلعت عن التصوّف وأقبلت على التوحيد الصافي، والواقع من أكبر الشواهد والأدلة على ذلك، ومن أحبّ التفصيل فصّلنا له.
الوقفة السادسة
إن عدم رضاء المتصوّفة عن انتشار الدعوة إلى التوحيد الخالص وقبول الناس في مجتمعنا لهذه الدعوة وترك الانتساب إلى التصوّف وغيره، لا ينبغي أن يحملهم على الظلم والبغي والعدوان وتجاوز الحدود وهذا (التشنُّج) الذي نراه في هذه الأيام، والذي بلغ ببعضهم الدعوة لمواجهة الحاكم والخروج عليه، وقد نشرتُ في هذه المسألة بهذا العمود في الأسبوع الماضي مقالين أحدهما عنوانه (بين المتصوّفة  والخوارج القعدية)، والثاني عنوانه (إلى أصحاب البيانات الثورية من المتصوّفة)، فليتركوا هذا المسلك وليتجهوا إلى المحاورات العلمية، والمناقشات الموضوعية، والبحث العلمي الجاد، والمجادلة بالتي هي أحسن والتي تحف بأدب الحوار واحترام الآخرين، فهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة الأفكار والمعتقدات، وأما الأسلوب الحالي الذي سلكه بعض دعاة التصوّف فهو عليهم لا لهم، فضلاً عن أن بعض الكلام الذي قيل فيه (مجازفات) خطيرة، واتهامات لأناس بالداخل وآخرين بالخارج، وافتراءات لا يملك المتحدثون بها أدلتها.
الوقفة السابعة
إن أحق ما يوصف بأنه (ضرارٌ) ويجب إزالته هو بعض ما عليه أهل التصوّف في بلادنا، ومن ذلك ما تضمنته بعض الكتب الصوفية عموماً، وكتب الطريقة السمانية خصوصاً، وأقول لمحمد بن حسن الفاتح قريب الله، هات كتاب (يستنبئونك) لحسن الفاتح قريب الله وكتاب (أزاهير الرياض) لعبد المحمود نورد الدائم ــ على سبيل المثال ــ لنقرأ فيهما ما سطره هذان الشيخان الصوفيان السّمّانيان واجتهدت الطريقة في نشرهما على مستوى محلي وعالمي!! لنقف بالاطلاع عليهما على ما هو أولى بوصف (الضِرار) بدلاً من مساجد بنيت لذكر الله بلادنا في أشد الحاجة إليها تؤدي دورها في نشر التوحيد حق الله على العبيد بغير منٍّ ولا أذية..  فلتحضر الكتابين ونقرأ فيهما في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.