الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

معتقد حضور الشيخ في قبر المريد!!

من مناقضة قصائد عبد الرحيم البرعي لمحكم القرآن الكريم أورد أبياتاً ذكرها في قصيدة عنوانها : (الشايب) أوردها الديوان المسمى (رياض الجنة)!! حيث ورد في القصيدة ما يلي :  الشايب أمين ما خان كرمو وجودو ما وسخان

بصيرتو الجالبة غير دخان بي تفله الجن يطير دخان
إلى قوله : مذكور اسمه كل مكان شهير في الأربعة الأركان
يسبق ياء نداء الدركان ويحضر حين يجو الملكان
وما تضمنته الأبيات الأربع بحاجة إلى تعليق،إلا أني أقف هذه الوقفة مع البيت الأخير، من إدعاء البرعي أن والده محمد وقيع الله واصطلح له في قصائد كثيرة بتسميته (الشايب)، فقد ادّعى أنه يحضر عندما يأتي الملكان لسؤال الميت، وهو معتقد اجتهد البرعي لتقريره وأكّده في قصيدة مدح فيها أحمد الطيب البشير بعنوان (يا نفس أمرحي) قال فيها عنه :
يحضر مريدو في النزع والقبير
للحجة يلقنو بأحسن التعبير
وليه يوانس في الوحدة والشبير
فالبرعي ينظم هذه العقيدة من أن الشيخ يحضر مريده في لحظات النزع وعند دخول القبر ويقوم بتلقين الميت من مريديه الحجة ويؤانسه في الوحدة وفي بيت الشبر وهو اللحد .. وهذا اعتقاد اقتبسه البرعي من بعض كتب شيوخ طريقته، فقد أورد عبد المحمود نور الدائم في كتاب (أزاهير الرياض) ص 134 أنه لما توفيت ودفنت امرأة كانت عنده جلس الشيخ على شفير قبرها فلما حضر الملكان زعق زعقة بهم عالية، ثم قال : يأبى الله ورسوله أن يفتن أو يعذب جسداً التصق بجسدي، فسئل عن ذلك فقال: إن الملكين أرادا أن يفتناها فنحيتهما عنها).
ثم أورد صاحب الأزاهير قصصاً في هذا المعنى منها قصة عن أحد مريدي شيخ يدعى عبد الله باعلوي وفي نهاية القصة قولهم إن هذا المريد لما سأله الملكان عن ربه، قال: شيخي عبد الله با علوي، فتعجبا لذلك ثم سألاه أيضاً فأجاب بذلك، فقالا : مرحباً بك وبشيخك عبد الله!!!. ثم قال صاحب الأزاهير ــ إذ يعتبر هذا الكتاب من المصادر التي اعتمد عليها البرعي في ما نظمه من عقائد ــ قال : (ويدخل في هذا المعنى قول الشيخ رضي الله عنه ــ ويقصد أحمد البشير ــ الذي تقدّم وهو إذا أردتم أن تحفروا قبر ميت فقولوا : هذا قبر أحمد الطيب، فإن الله لا يعذب صاحبه).
قلتُ : هذا المعتقد الذي نظمه البرعي والذي أورده نثراً صاحب الأزاهير مما يناقض محكم القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وقال الله تعالى : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال الله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، وقال الله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، هذا من جهة بيان ما وضّحه القرآن الكريم في محكمه من أن كل عاملٍ يجد عند الله عمله الذي عمله، وأنه يلقى الله وأنه مسؤول عمّا قدّم، وأنّ كل نفس ترهن بما كسبت. وصلى الله وسلم على النبي الأعظم الذي كان يقول لأقرب الناس له من أهله (سلوني من مالي ما شئت فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً)، وقال ذلك لابنته فاطمة رضي الله عنها ولعمته صفية رضي الله عنها ولعمه العباس رضي الله عنه، وكان إذا دفن أحد أصحابه طلب من صحابته الدعاء له بالثبات عند السؤال والدعاء له بالمغفرة.
وأما مناقضة هذا المعتقد المذكور في الأبيات والذي يشرحه المنثور من إدعاء هؤلاء الشيوخ أنهم يخيفون ملكيْ السؤال فهو من أبطل الباطل ومن أسوأ أنواع الفساد في الاعتقاد، فإن الله تعالى قال عن ملائكته : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال الله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، فإن ملائكة الله تعالى المسبّحة بقدسه عصمها الله من العصيان ومخالفة أوامر الرحمن، ولكنّ شيوخ المتصوفة ادّعوا أنهم غير ذلك، لأجل الغلو في الشيوخ ولإعطائهم صفات للتقديس والتعظيم والعياذ بالله، وهذا الباب بحر لا ساحل له في منثور ومنظوم شيوخ التصوف، ولدى مئات الأبيات من أشعار البرعي في هذا الباب مما هو يناقض نصوص الحديث ومحكم الكتاب.
وبلغت جرأة أصحاب هذه الكتب والأشعار بالاستخفاف بملائكة الله تعالى ما أورده صاحب أزاهير الرياض في نفس الصفحة 134 عن أحد المريدين أنه لما أشرف على الهلاك ويئس كل الناس من حياته وجاءته ــ حسب ما قال ــ ملائكة القبض لقبض روحه أنه رأى أحمد البشير وهو قريب منهم يقول لهم : أما قلت لكم لا تقبضوا روحه !! فرجعوا عند ذلك. وفي ذات الصفحة أورد عبد المحمود نور الدائم في أزاهير الرياض ما ذكره عبد الوهاب الشعراني في طبقاته في ترجمة محمد الشربيني قال : لما ضعف ولده أحمد وأشرف على الموت، حضر عزرائيل!! لقبض روحه، قال له الشيخ: ارجع إلى ربك فراجعه فإن الأمر قد نسخ، قال : فرجع عزرائيل وشفي أحمد من تلك الوعكة وعاش بعدها ثلاثين عاماً !!
قلتُ: وطبقات الشعراني هو كتاب خرافة وفيه من القصص ما لا يستطيع من أراد حكايته أن يحكيه، والمؤسف أن يصف البرعي الشعراني وعلمه الذي بثّاه في هذا الكتاب وغيره بقوله : سيدي الشعراني الناشر علم الله.
وهكذا يدّعي شيوخ السّمّانية وينقلون مثل هذه القصص والتي فيها دعواهم أن شيوخهم يرهبون الملائكة ويخيفونهم فتارة إرجاع ملائكة الموت (واسم ملك الموت هو ملك الموت ولا تصح التسمية (عزرائيل) بنص صحيح)، وتارة أخرى إبعاد ملكيْ السؤال في القبر، لحشد كرامات لشيوخهم يكثر بسبب إذاعتها ونشرها المريدون والأتباع !! وهذا من وعد الغرور ومن الكذب المفترى، ولوازمه التي توضح فساد المعتقد لا تخفى، والمؤسف حقاً أن تطبع مثل هذه الدواوين والكتب وتنشر في الآفاق وهي تناقض محكم القرآن وما ثبت في سنة سيد ولد عدنان.