الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

(فقه الزكاة) بين القرآن والسنة (3)

هذه السلسلة من المقالات لها هدفان :
الأول : بيان شيء من فقه الزكاة ، والزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة وهي قرينة الصلاة في كثير من آيات الكتاب الكريم.

الثاني : توضيح ببيان عملي أنه لا يمكن أن يستغل في فهم الدين بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط ، وإن في الساحة دعوات تعدّدت أشكالها وألوانها وأساليبها واتحد هدفها وهو القدح والطعن في حجية السنة النبوية، كمن يسمون بالقرآنيين، ومنهم العقلانيين، ويشاركهم في الهدف وهو الطعن في السنة النبوية فرق وملل وطوائها منها : الروافض والملاحدة والنصارى والليبراليون والعلمانيون والشيوعيون ومن شاكلهم. فهذه مدارسة في فقه الزكاة أورد فيها ما جاء مجملاً في القرآن الكريم، وتفصيله بما ورد في السنة النبوية الشريفة، خاصة وفي هذه الأيام يحرص كثير من المسلمين إخراج زكاتهم، وهذه الحلقة الثالثة في بيان زكاة بهيمة الأنعام – الجزء الأول. كما وقد وردت السنة النبوية بتفصيل ما أجمل في ما يؤدى فيه الزكاة، وفصّلت في بهيمة الأنعام تفصيلاً كثيراً اتضح به ما يجب فيها فإن الله تعالى قد أمر في الكتاب الكريم بإيتاء الزكاة وأدائها قال الله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ولم يرد في القرآن الكريم تفصيل لما يجب إخراجه في بهيمة الأنعام من جهة:  نوعها أو نصابها أو مقدار ما يخرج منها ووقته وتوضيح ذلك وبيانه جاء في السنة النبوية منه ما يلي :
أولاً: زكاة الإبل :
1- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ». متفق عليه، وقال النووي في "شرح مسلم" : (قال أهل اللغة الذود من الثلاثة إلى العشر لا واحد له من لفظه إنما يقال في الواحد بعير وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها قالوا وقوله خمس ذود كقوله خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة). وفي الحديث بيان وجوب أداء الزكاة في الإبل وتحديد النصاب فيها بخمس من الإبل وليس فيما دون الخمس زكاة.
2- عن ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنهم جميعاً كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ الله بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ، يَعْنِي - سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ)  رواه البخاري.وبنت المخاض هي التي أَتَى عليها حَوْل ودَخَلَتْ في الثاني وحملت أُمُّها فصارت من المخاضِ، وبنت اللبون هي التي أتى عليها حولانِ ودخلت في الثالث فصارت أُمُّها لبوناً بِوَضْعِ الحَمْلِ . والحقة هي التي دخلت في رابع سنة من الإبل قيل سميت بذلك لأنها استحقت الركوب والتحميل وجمعها حقق بالضم وحقاق بالكسر وحقائق .
وفي الحديث بيان من النبي عليه الصلاة والسلام لنصاب الإبل وما يجب إخراجه على اختلاف أعدادها، بتفصيل دقيق وتشريع محكم يتضح به أهمية المصدر الثاني من مصادر التشريع في الشريعة الإسلامية السنة النبوية وعِظَم منزلتها ومكانتها في التشريع.
ثانياً:  زكاة البقر:
1- عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِى مُحْتَلِمًا- دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ المعَافِر ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
والتبيع من البقر يسمّى تَبِيعاً حين يستكمل الحول، ولا يسمّى تَبِيعاً قبل ذلك، فإذا استكمل عامين فهو جَذَع، فإذا استوفى ثلاثة أعوام فهو ثَنِيّ، وحينئذٍ يُسِنّ، والأنثى مُسِنّة، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر. ويقال للأنثى: تَبِيعة وللذكر تَبيع. وقد دلَّ الحديث على أن البقر تخرج فيها الزكاة وأن الزكاة لا تجب فيها إن كانت أقل من ثلاثين، وأما إن بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعه وهو ما أتم أو أتمت سنة من البقر.
2- حدثني يحيى عن مالك عن حميد بن قيس المكي عن طاوس اليماني: أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين بقرة مسنة وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئاً وقال لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ بن جبل. رواه مالك والبيهقي
قال ابن عبد البرالمالكي في "التمهيد" : (هذا الحديث ظاهره الوقوف على معاذ بن جبل من قوله إلا أن في قوله أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئاً دليلاً واضحاً على أنه قد سمع منه في الثلاثين والأربعين ما عمل به في ذلك مع أنه لا يكون مثله رأياً وإنما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من المؤمنين يطهرهم ويزكيهم بها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل في ثلاثين بقرة تبيع وفي أربعين مسنة والتبيع والتبيعة في ذلك عندهم سواء).
3- عبدالرزاق عن بن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أن طاووسًا أخبره أن معاذ بن جبل قال: لست آخذ من أوقاص البقر شيئًا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فيها بشيء. أخرجه عبد الرزاق في المصنّف. وعند الجمهور الوقص هو:  ما بين السنين اللذين يجب فيهما الزكاة كما بين الخمس والعشر في الإبل، والثلاثين والأربعين في البقر، والأربعين والمائة والإحدى والعشرين في الغن.، قال ابن عبد البر: ( واختلف العلماء في هذا الباب فيما زاد على الأربعين فذهب مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وجماعة أهل الفقه من أهل الرأي والحديث إلى أن لا شيء فيما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان إلى سبعين فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة إلى ثمانين فيكون فيها مسنتان إلى تسعين فيكون فيها ثلاث تبائع إلى مائة فيكون فيها تبيعان ومسنة ثم هكذا أبدا في ثلاثين تبيعا وفي كل أربعين مسنة، وبهذا أيضاً كله قال بن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة ما زاد على الأربعين من البقر فبحساب ذلك وتفسير ذلك في مذهبه في خمس وأربعين مسنة وثمن وفي خمسين مسنة وربع وعلى هذا كل ما زاد قل أو كثر). فهذه النصوص النبوية الشريفة بينت ما أجمل في الآيات الكريمات، ففصّلت ما يجب في زكاة بهيمة الأنعام ، مما يبيّن – عملياً – أنه لا يستغنى في العمل بتشريعات الدين الخاتم عن السنة النبوية .  
ونلتقي في الحلقة التالية بمشيئة الله ..