الجمعة، 22 أيلول/سبتمبر 2017

board

قصة «التحكيم» .. (1 / 2)

من القصص المشهورة والتي نأسف أنه يتم تدريسها في بعض المقررات الدراسية ببلادنا ولها أثر وإسهام في التشكيك الذي نفذ من خلاله المُشيِّعون في بلادنا : (قصة التحكيم) ،

فقد اشتهرت بالرواية التي حاول الروافض أن يصلوا من خلالها للطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، بتصوير أن الصحابي الجليل صاحب المناقب الكريمة أبا موسى الأشعري (مغفَّل) وأن الصحابي الجليل صاحب المناقب العديدة عمراً بن العاص (غادِر ومخادع) – وحاشاهما - وهما بريئان من هذا الإفك المفترى ، ولتوضيح ذلك بإيجاز ولأن القصّة المكذوبة هذه تنتشر في أوساط كثيرين في مجتمعنا، ولتنبيه الإخوة الكرام المعلمين والأخوات المعلمات ليعالجوا هذا الخلل .. رأيت أن أضع هذا الإيضاح الموجز بين يدي القراء ويجد من أراد التفصيل والبحث الدقيق في مظانه فأقول:
قال العلامة ابن العربي المالكي في كتابه (العواصم من القواصم) : (وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله.  وإذا لحظتموه بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين.  والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط والدارقطني أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين أو تسعين ألفاً ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء - على الماء فغلب أهل العراق عليه.  ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة ( سبع وثلاثين ) ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي أبو موسى ومن جهة معاوية عمرو بن العاص. وكان أبو موسى رجلًا تقيًا فقيهًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب (سراج المريدين)، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمرو وأثنى عليه بالفهم. وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضاً وصنفوا فيه حكايات.. وغيره من الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمراً لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر. وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح من دومة الجندل وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين.  فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول.  فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليًا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا من عنقي - أو من عاتقي - وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي هذا في عاتقي.  وتقلده.  فأنكر أبو موسى.  فقال عمرو:  كذلك اتفقنا. وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف).
 ثم قال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي : (هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط.  وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع.  وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر - في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه - عزل عمرو معاوية).
وقال محب الدين الخطيب : (من الحقائق ما إذا أسيئ التعبير عنه وشابته شوائب المغالطة يوهم غير الحقيقة فينشأ عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه . ومن ذلك حادثة التحكيم وقول المغالطين إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع الرجلين، فخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية . وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن خليفة، ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه . بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله وهو راض عنهم . واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان . فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحكيم شيئًا واحدًا هو الإمامة . أما التصرف العملي في إرادة البلاد التي كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين فبقي كما كان : عليٌ متصرف في البلاد التي تحت حكمه، ومعاوية متصرف في البلاد التي تحت حكمه، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة . وكان يكون محلاً للمكر أو الغفلة لو أن عمراً أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولى معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو، ولا ادعاه معاوية، ولم يقل به أحد في الثلاثة عشر قرنًا الماضية . وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية، ومن ذلك اليوم فقط سمي معاوية أمير المؤمنين.  فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، لأنه لم يعط معاوية شيئًا جديدًا، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى . ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها، وأي ذنب لعمرو في أي شيء مما وقع؟ إن البلاهة لم تكن من أبي موسى، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه . فليفهمها كل من شاء كما يشاء . أما هي فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي) .
وقال – أيضاً – : (وهذه هي نقطة المغالطة التي هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بأن هناك خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذًا للاتفاق، وأن عمرًا خلع أحدهما وأبقى الآخر خليفة خلافًا للاتفاق، وهذا كله كذب وإفك وبهتان . والذي فعله عمرو وهو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قطمير وبقي أمر الإمامة والخلافة أو إمارة المؤمنين معلقًا على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا . وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فما في ذلك تقصير من أبي موسى ولا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها، ولا أبديا رأياً فيها . ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ . وإن الأجيال التي بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى : أبـــوك تلافـى الديـن والناس بعــدمـا تشــاءوا وبيــت الديــن منقطــع الكســر فشــد إصــار الديــن أيــــام أذرح ورد حروبــًا قـد لقحــن إلى عقـــــــر) .
يتبع في الحلقة التالية إن شاء الله ..

الأعمدة

خالد كسلا

الجمعة، 22 أيلول/سبتمبر 2017

د. حسن التجاني

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

إسحق فضل الله

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

محمد عبدالماجد

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017