الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

الغلو والتطرّف سبب الدّمار والتفرّق

عنوان هذا المقال هو عنوان محاضرة علمية كبرى تلقى بمشيئة الله تعالى بالقاعة الرئاسية بقاعة الصداقة بعد صلاة العصر مباشرة اليوم الثلاثاء 23 شوال 1438هـ ، يقدّمها فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور صالح بن سعد السحيمي المدرس بالمسجد النبوي الشريف

منذ أكثر من ثلاثين عاماً والمشرف على الدعاة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بمنطقة المدينة المنورة ورئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سابقاً ، وهو ضيف للبلاد في هذه الأيام في مهمة رسمية سنوية من قبل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والإرشاد بالمملكة العربية السعودية لإلقاء دروس وتقديم دورات علمية شرعية ، في مسائل العقيدة والتوحيد وبيان وسطية منهج أهل السنة والجماعة والتحذير من مناهج وجماعات التكفير والغلو والتطرف.
فقد شرح فضيلة الشيخ في دورة هذا العام أبواباً من كتاب الشريعة للإمام الآجري في بيان وجوب لزوم الجماعة والتحذير من التفرق، والتحذير من الخروج على الحكام ومنابذتهم ، ويشرح فضيلته في هذا العام كذلك كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام وفي العام الماضي شرح كتباً منها رسالة الإمام وهب بن منبه إلى رجل تأثر بمذهب الخوارج ، وفي العام الذي قبله شرح كتباً منها كتاب الجهاد في الإسلام وفصّل في شروط الجهاد والتي من أهمها الراية والإمام الذي يقاتل معه، وبيّن انحراف جماعة داعش وغيرها من الجماعات وضلالها في باب الجهاد.
جزاه الله فضيلة الشيخ العلامة الأستاذ الدكتور صالحاً السحيمي خيراً لنشره العلم الشرعي على منهج الوسطية والاعتدال في بلادنا، وجزى الله خيراً حكومة المملكة العربية السعودية ممثلة في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وجزى الله خيراً القائمين على كلية جبرة العلمية عنايتهم بنشر العلم الشرعي وخدمة المجتمع والاجتهاد في تحصينه وحمايته من مناهج الغلو والتطرف.
فأهيب بكل من يتيسّر له حضور هذه المحاضرة العلمية وأرجو من وسائل الإعلام وأخص منها الصحف بالحضور ونشر موضوعات ومسائل المحاضرة. فإن الغلو والتطرّف من أبرز أسباب الخراب والدمار والفرقة.
إن أهل السنة والجماعة يتمسكون بالكتاب والسنة، وليس لديهم معصوم إلا ما جاء في نصوص الشريعة، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك في منهاجهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ليسوا كأهل البدع الذين ينصِّبون أشخاصًا يوالون ويعادون عليهم، ويجعلون كلامهم مثل كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في وجوب الاتِّباع؛ حتى إن كثيرًا من أهل البدع يقدِّمون أقوال من يتبعونهم على نصوص الكتاب والسنة.
 عن سفيان بن عيينة،عن عبدالكريم،عن مجاهد قال: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ،إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم»رواه البخاري. وقد رويت هذه الكلمة العظيمة عن عدة أئمة كالحكم بن عتبة ومالك بن أنس وغيرهما رحمهم الله تعالى.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمة الله عليه-: (فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فه والذي يجب تصديقه في كلما أخبر؛ وطاعته في كل ما أمر وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل أحد منا لنا سيؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومن خالفه كان  من أهل البدعة والفرقة – كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك – كان من أهل البدع والضلال والتفرق).
وقد حمى الله تعالى أهل السنة والجماعة من التقليد الأعمى وطمس البصائر في قبول الأقوال والأعمال، إلا ما كان موافقًا للدليل الصحيح، والنظر المعتبر الذي لا يخالف النصوص الشرعية، فكانوا بذلك أهل اعتدال وتوسط؛ بين المقدِّسين لأئمتهم الغالين فيهم، كما هو حال غلاة الرافضة والصوفية وغيرهم، وبين المنحرفين عن العلماء الثقات المارقين عن فهومهم كما هو حال الخوارج والنواصب وغيرهم.
وقد أورث ذلك التعصب لتلك الفرق تطرفًا وغلوًّا في تقديم أقوال أئمتهم على نصوص الكتاب والسنة، كما فعل الرافضة الاثنا عشرية، حينما قدموا كلام أئمتهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما فعل كثير من أتباع الطرق الصوفية، وقابل غلوهم غلو الخوارج الذين لم يَعبأوا بالعلماء ومكانتهم، بل تنقَّصوهم وكفَّروهم واستحلوا دماءهم.