الجمعة، 20 تشرين1/أكتوير 2017

board

تجارة النكات !!

هل علم المقدّمون للنكات والمتاجرون بها والمرتزقون من كسبها والمتفرغون لأجلها، هل علموا بهذا الحديث : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له، ويل له» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وحسنه الألباني.

فهذا خبر من النبي عليه الصلاة والسلام يخبر فيه بالويل لمن يكذبون ليضحكوا الناس .. وهذا الكذب هو الذي تقوم عليه هذه النكات ، فيقولون واحد ... عمل .. وواحد أخذ .. ويدخلون على القبائل ويخترعون عليها ويفترون عليها بالكذب لإضحاك القوم كما سيأتي بيانه .. فهل سمعوا بهذا الوعيد ؟! وهل علموا هذا التحذير النبوي ؟!
قال المناوي في فيض القدير :( ويل للذي يحدث فيكذب ) في حديثه ( ليضحك به القوم ويل له ويل له ) كرره إيذاناً بشدة هلكته وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء : إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة.
قال الصنعاني في (سبل السلام): الحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم، وهذا تحريم خاص.  ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا؛ لأنه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف، وقد عد الكذب من الكبائر. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) : المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر عاص لله ورسوله، وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ثم ويل له".  وقد قال ابن مسعود:  إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجزه. وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مسلم وضرر في الدين فهو أشد تحريما من ذلك.  وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك. اهـ.
وقال الشيخ ابن باز: التفكه بالكلام والتنكيت إذا كان بحق وصدق فلا بأس به، ولا سيما مع عدم الإكثار من ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا صلى الله عليه وسلم، أما ما كان بالكذب فلا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد. اهـ.
أتمنى أن يصل الحديث الذي ذكرته في الحلقة السابقة إلى كل من جعلوا تقديم النكات وظيفة لهم .. وأتمنى أن يطلعوا على تعليق العلماء على الحديث، فالحديث قد جاء بالوعيد الشديد لمن يكذب في حديثه ليضحك الناس وهو يفيد تحريم هذا العمل، والوعيد جاء في قول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام :«ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له، ويل له».
فيا له من وعيد ترجف له القلوب الخائفة على آخرتها وعلى سلامة أنفسها !!
وقال الشيخ ابن عثيمين في (لقاءات الباب المفتوح): لا يجوز الكذب في الطرائف كما يقولون؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو على الأقل بسند حسن أنه قال : "ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له! ثم ويل له!"
وهذا يدل على أنه لا يجوز؛ لأن الوعيد بويل من أدلة تحريم العمل. اهـ
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي :
ثم المفهوم منه أنه إذا حدث بحديث صدق ليضحك القوم فلا بأس به كما صدر مثل ذلك من عمر رضي الله تعالى عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم حين غضب على بعض أمهات المؤمنين . قال الغزالي :  وحينئذ ينبغي أن يكون من قبيل مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون إلا حقاً ولا يؤذي قلباً ولا يفرط فيه . فإن كنت أيها السامع تقتصر عليه أحياناً وعلى الندور فلا حرج عليك . ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة ، ويواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فجانب الكذب الذي تقوم عليه هذه النكات واضح وهو مناط التحريم في أكثرها، لأنها قصص ملفّقة مختلقة لا حقيقة لها في الواقع ..
ولم تقتصر النكات على الكذب بل تضمّنت أموراً أخرى عديدة أبرزها ما يلي :
** الدعوة لإحياء العنصرية القبلية، إذ يقلّد بعض أصحاب هذه النكات بعض زملائهم وأصبح الكثير من نكاتهم إنما هو في القبائل .. فيرددون : واحد جنوبي واحد شايقي واحد أدروب واحد عربي واحد غرباوي ورباطابي وشايقي وجعلي واحد من الجزيرة واحد دنقلاوي ... وغير ذلك.
بل بتكرارهم ذلك وتواترهم عليه أصبح لما يصفون به تلك القبائل التأثير الواضح في انطباع الناس عنهم وحصل بذلك ويحصل الظلم العظيم للمنتسبين لتلك القبائل .. فقبيلة ينعتونها بالبخل وأخرى باللا مبالاة .. وثالثة بالفوضى .. ورابعة بالهمجية والرعونة وخامسة بالحماقة ..
فأصبحت هذه النكات بوقاً ينفخ به في نار الفرقة التي تعاني منها بلادنا .. فالعنصرية القبلية هي مما لا يخفى من أكبر مهددات الأمن في بلادنا في هذه الفترة ، وقد استغلها أعداؤنا لإثارة الفتن والحروب ..
فهذه النكات تناقض دعوة الإسلام الذي حرص على وضع العنصريات القبلية تحت الأقدام.
وقد قطع الله تعالى دابر هذا البلاء الذي تقطع به الصلات وتمتلئ به القلوب بالشحناء والبغضاء .. ويزداد الغل بسببه إلى أن يبلغ القتل والدمار والخراب ..(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، (لا يسخر قوم من قوم) (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) (خلقكم من نفس واحدة) ...
وقال عليه الصلاة والسلام : ( .. ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم). والدعوة للعصبية هي من الدعوات الجاهلية كما جاء في حديث (ما بال دعوى الجاهلية ؟!) لما اختلف رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار فقال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار ثم قال دعوها فإنها منتنة) ،وكما في قوله لأبي ذر رضي الله عنه : (يا أبا ذر إنك أمرؤٌ فيك جاهلية) .
فالعنصريات القبلية سمة واضحة تدعو إليها هذه النكات ، ومع عظم هذا المنكر فإنها تضيف إليه أنها تُصوِّر حال القبيلة عموماً بما يكررونه في وصفهم، وهذا والله من الظلم العظيم الذي يبقى في أذهان كثيرين وهو من الكذب والافتراء المشين
فما أعظم كذب هؤلاء !! فهو كذب على القبائل والمجموعات لا الأفراد !!
**ومما تشتمل عليه تلك النكات : التشبه بالنساء في تقليد أصواتهن وتمثيل أدوارهن، بل لا ينقضي العجب عندما تخبر أن رجلاً لأجل النكت والضحك يمثّل دور امرأة تريد الزواج وتسأل عن الأزواج وعن الزواج الجماعي وتتحدث عن حاجتها للزواج!!
فبئست البضاعة وبئست الأذن التي تصغي استماعاً!!!
هل يا ترى لم يسمعوا بهذا الحديث :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.
اللعنة تعني الطرد من رحمة الله للمتشبهين من الرجال بالنساء .. فماذا يجني وينتج ويربح ويثمر من يطرد من رحمة الله تعالى ؟! والله إنه لحديث كافٍ في أن يدع هؤلاء ما هم فيه ..
وقد قال الله تعالى : (سيذكر من يخشى)
**وأما الأمور الأخرى التي تتضمنها هذه النكات الآثمة الكاذبة فهي معلومة ولا تحتاج للتعليق كتهوين أمر الصلات المحرمة بين الرجال والنساء، وتعويد الناشئة على قلة الحياء من خلال تناول موضوعات لا تليق في وصف الرجال للنساء والعكس .. وفي بعضها استهزاء بالدين وشعائره..
** وأما تلميع المساطيل لدى فرق النكات فقد أفردتُ له مقالاُ سابقاً خاصاً بهذا النوع من (البلاء).
إن دعوة أصحاب النكت التي للأسف وجدت حيزاً في القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام ومواقع التواصل مثل الفيس بوك والواتس أب، إن هذه الدعوة وهذا العمل بما يشتمل عليه من ظلمات وضلالات وأباطيل وكذب وبمخالفته للتوجيهات الشرعية ومناقضته لمقاصد التشريع مما يجب أن يتوقف أصحابه عنه وأن يجتهد في نصحهم، وأن يصل النصح لأصحاب القنوات وأصحاب المؤسسات التي تستضيفهم ..
وأما المستمعون والمتداولون لهذه النكات عبر الوسائط فأقول لهم :
لا تكونوا ممن تعاون على الإثم والعدوان، بل طهروا أسماعكم من هذا المنكر وليكن حالكم حال المؤمنين الذين أثنى عليهم الله تعالى في قوله :(والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً) وقوله تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )
وإن السمع لمسؤول قال الله تعالى : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) .. اللهم اهدِ كل من ضل عن الحق ، وارزقه توبة قبل الممات، اللهم سلم لنا لرمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا متقبلا.

الأعمدة

محمد عبدالماجد

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

د. حسن التجاني

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017