الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

ظاهرة : (الرد على الرد بأي حال كان) !!

إن من يطلع على ردود أئمة السلف على المخالفين يجد معلماً واضحاً في تلك الردود, وهو أنهم يقومون بالرد على المخالفين لإظهار الحق بما ثبت في الدين ورد الباطل الذي ألصق بالحق ، فردودهم تدور حول (توضيح) الحق و(نصرته)..

فانظر على سبيل المثال في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد ,أو الرد على بشر المريسي للدارمي أو انظر في كتب للإمام ابن منده أو تصفّح كتاب الشريعة للآجري أو كتاب ذم الكلام للهروي أو كتاب خلق أفعال العباد والرد على الجهمية للإمام البخاري أو كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصفهاني أو رسالة السجزي لأهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت أو الحوادث والبدع للطرطوشي أو كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على النصارى والفلاسفة والمنطقيين والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم .. وردود ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة وبقية ردوده في كتبه المختلف وما كتب ابن رجب والشاطبي في الاعتصام وغيرها من التراث العظيم الذي ورثناه من سلفنا الصالحين .. في الردود العلمية على المخالفين.
فإنك لو نظرت في هذه الكتب وغيرها لوجدت أنهم لم يؤلفوا هذه الكتب في سبيل نصرة أنفسهم .. ولأجل الدفاع عن أشخاصهم .. (لا أصالة ولا تبعاً) وهذا يظهر في موضوعات كتبهم ومادتها العلمية .. وإنما رأوا أنه يلزمهم بيان الحق في أخطاء وجدت، ولما رأوه من تلبيس الحق بالباطل فاضطروا إلى التصنيف والتأليف تبياناً للحق ورداً للباطل والخطأ..
وهذا المعلم من المعالم (الدقيقة) في منهاج الحق في الرد على المخالفين .. فإنه إن ندب الرّادُ نفسه لتتبع ما يقال في (شخصه) والتعقيب عليه بنصرة النفس . لانشغل بذلك عمّا هو آكد وأولى ..بل لانتهى العمر في ذلك فقط ..فمن ذا الذي يسلم مما يقال فيه ، خاصة أهل العلم والدعاة إلى الله ، ومن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
فإن ما يقوله الخصوم من التّهم والسب والشتم والانتقاص والافتراء والازدراء والبغي لمن ينصر الحق ويصدع به .. لهو أمر واقع ولا يكاد ينجو منه من يقول كلمة الحق وينصره على اختلاف البلدان والأزمان ...
وقد يحتاج الشخص للدفاع عمّا افتري عليه به في حال أن يترتب على ما قيل عنه تلبيس الحق بالباطل أو تحريف حقائق شرعية أو تزييف مسائل علمية ثابتة .. فيضطر أهل العلم لتناول ذلك لأنه من باب ما لا يتم بيان الحق إلا ببيانه وتوضيحه .. أما ما يتعلق بذات الشخص فليس من منهج أهل العلم الانصراف إليه والتأليف بصدده وجعله مقصداً مهماً في كتبهم ..
وقد رأيت تطبيق هذا المنهاج لدى علمائنا المعاصرين من بقية السلف رحم الله من مات منهم وحفظ من بقي .. فإنه يبلغهم أنه قيل وقيل فيهم من الإساءات في أشخاصهم ...  ولكن لا نراهم يؤلفون الكتب لأجل الدفاع عن أنفسهم وأشخاصهم ولم نرهم يقومون بمتابعة من يسيئون إليهم ويتكلمون فيهم بباطلهم .. وقد سألت وأنا بالجامعة أحد مشايخنا من العلماء البارزين عن ردٍّ نشر عنه .. فقال أنا لا أدافع عن شخصي فمن ردّ علي لم يذكر مسائل علمية أو شرعية وإنما هي إساءات شخصية ولو جعلنا نتتبع أمثاله في قوله هذا لانتهى بنا العمر ونحن في ذلك !!