الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

الرد على (مساعد السديرة) .. (1)

يعاد نشر هذه الحلقات تزامناً مع تصريحات بعض الجهات المختصة في بلادنا بأعداد من قتلوا في صفوف (داعش) من بلادنا ، ولمّا كان (مساعد السديرة) هو من أبرز من روّج لأفكار (داعش) في بلادنا ، وأظهر بيعته للبغدادي وجهر بموقفه من ولاة الأمر ، وحيث أن هذا الفكر وأفكار الخروج على الحكام والتكفير لا يزال يوجد من يروّج لها أردت إعادة نشر هذه الحلقات التي تمت طباعتها في كتاب ، راجياً بذلك الإسهام في محاربة هذا الفكر الغالي المتطرّف الذي يصدق عل دعاته أنهم : (لا الإسلام نصروا ولا الكفار كسروا) .. فقد اطلعت على ثلاث حلقات نشرت سابقاً بصحيفة (الحرّة) وهي حوار مع مساعد بشير السديرة الذي وصف نفسه بأنه أحد قادة ما يسمى بالسلفية الجهادية في السودان .. والحلقات تضمنت تناقضات ومغالطات وأخطاء علمية وتأريخية فادحة يجب الرد عليها والتعقيب بدحضها وكشف باطلها ، على الطريقة العلمية من النقاش العلمي الموضوعي .. والتعقيب بالتركيز على القضايا العلمية بعيداً عن (شخصنة الحوار) ..  وسيكون تعقيبي بإذن الله في عدة وقفات في حلقات عديدة .. وتأكيداً لما قلتُ فإني سأؤجل التعليق على الجزئية التي ذكرني فيها السديرة وهي قوله : (من ناحية المنهج هم أقرب للإرجاء .. وهم الآن بيعتبروا النظام القائم شرعي كما قال عارف الركابي ....).أؤجل التعليق على ذلك في آخر الحلقات ومعها تفصيل بتأريخ السديرة ومراحله وكشف بعض ما حاول تغطيته في مواقفه السابقة .. في فترات تنقله بين الفرق والجماعات .. التعقيب الأول : (السديرة) والخروج على الحكام !! وعلم الحديث !! جاء في حوار الأخ طارق المغربي مع مساعد السديرة ما يلي : (أنت تقول بالخروج على الحكام ؟ عندك شوكة تخرج عليهم .. هم ما خرجوا على بعضهم .. وبعدين لما سألوا البشير في الجزيرة قالوا ليهو : انت ما خرجت على نظام قائم ؟ ألم يخرج على النظام الذي قبله .. أحلال عليه حرام على الآخرين ..ألا تخالف أهل السنة في ذلك ؟ أهل منو هم ؟ المقولة هذه ليست صحيحة .. أحمد بن حنبل رضي الله عنه لا يمثل أهل السنة بأجمعها.. هذه مسألة طويلة دايرة نقاش.. كون الحنابلة يقولوا لا يجوز الخروج على الإمام هذا ليس صحيحاً.ما دليك أنت على مسألة الخروج إن توفرت شوكة أم لا؟ ما دليلهم هم على عدم الخروج .. أنا أسألهم ما هو الدليل على عدم الخروج؟ الأمة كلها خرجت على أفضل الناس ..ألم ينهى النبي عليه الصلاة والسلام على ولي الأمر ولو أكل مالك وضرب ظهرك.. وحديث ما لم تروا كفراً بواحاً ؟ هذا الحديث حديث ضعيف الحديث ورد في العلل .. الحديث ضعيف ؟؟؟ الحديث في صحيح مسلم ولكنه معلول ؟ كيف يكون في صحيح مسلم ويكون معلولاً في الوقت نفسه ؟ أمشي للألباني .. أمشي الألباني بس.. الألباني أعلّ أحاديث في صحيح مسلم ، وردّ عليه أحدهم ..أنت تنسف بكلامك هذا منهجاً يعتقده سلفيون كثر؟ وهل هذا هو منهج أهل السنة والجماعة ؟ الإمام مالك من أهل السنة والجماعة وللا ما منهم .. ألم يجلد ..ولكن هل خرج على الإمام ؟هذه مقولة يقولها الحنابلة ..) انتهى المقتبس المقصود في هذه الجزئية .. لقد عجبت جداً وأنا أقرأ هذا الكلام من جرأة السديرة وإتيانه بهذه المجازفات والمغالطات !!! والتعجب بسبب ما ذكره ، وأبرزه ما يلي :  نسبته القول بتحريم الخروج على الحكام للحنابلة فقط !! ثم إيهامه أن القول بتحريم الخروج قائم على حديث واحد فقط ، ثم تساؤله (مستنكراً) عن الأحاديث التي تحرّم الخروج على الحكام فقد قال :  (ما دليلهم هم على عدم الخروج .. أنا أسألهم ما هو الدليل على عدم الخروج؟). ثم إرجاعه الكلام في حديث مسلم (وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) للعلامة الألباني فقط دون غيره .. 1/ أما نسبته تحريم الخروج على الحكام للحنابلة فقط وتشكيكه في أن يكون ما ورد عن الإمام أحمد في ذلك صحيح ، فأقول في دحضه – بإيجاز - : قال ابن أبي العز (الحنفي) في شرح الطحاوية : (وأما لزوم طاعتهم – أي الحكام - وإن جاروا ، لأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم ...) ، فهذا عالم (حنفي) وغيره كثيرون من الأحناف ، ولدى علماء المالكية القول بذلك ،  وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم نقل ذلك عن ابن بطال الذي شرح صحيح البخاري أيضاً فقال : (وفى الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) .ونقل الإمام النووي الشافعي في شرح صحيح مسلم الإجماع على ذلك ــ أيضاً ــ فقال :  (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين). فمن أين للسديرة نسبة تحريم الخروج على الحكام للحنابلة فقط دون غيرهم ؟!! بل هذا هو الإجماع كما نقله هؤلاء الأئمة ، والمعلوم أن الخروج على الحكام بيّن العلماء شروطه التي وردت في حديث  : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) وما يتبع ذلك من قضية المصالح والمفاسد في التغيير والبقاء، وفي مسألة المصالح والمفاسد ومراعاتها بعد تحقق الكفر كلام مشهور للأئمة نقل بعضه النووي في شرح مسلم واستشهد بقول القاضي عياض المالكي.
2/مطالبة السديرة بالإتيان بأدلة منع الخروج على الحكام مطالبة غريبة جداً ...  فكيف برجل يشتهر أنه يعطي الإجازات في الحديث ويوصف بــ (المحدث) وهو يسأل عن ذلك ، فليأخذ على عجالة هذه الأحاديث : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجمعة شبراً فمات فميتة جاهلية ) رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم : ( من كره من أميره شيئاً ، فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية ).  وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تكرهونها ). قالوا : يا رسول الله ! فما تأمرنا ؟ قال : (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ) رواه البخاري ومسلم . و(الأثرة) هي : الانفراد بالشيء عمن له فيه حق. وقوله (أمور تنكرونها) : يعني : من أمور الدين.  وقد أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة – وهي استئثار الأمراء بالأموال وإظهارهم للمخالفات الشرعية ... – إلى المسلك السليم والمعاملة الحسنة التي يبرأ صاحبها من الوقوع في الإثم ، وهي إعطاء الأمراء الحق الذي كتب لهم علينا ، من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم. وقال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث : ( فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيُعْطَى حَقُّه من الطاعة ، ولا يُخْرَج عليه، ولا يُخْلَع، بل يتضرع إلى الله – تعالى – في كشف أذاه ، ودفع شره، وإصلاحه). وقد أخرج البخاري ومسلم في  صحيحيهما عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -، قال : دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فبايعناه ، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال : ( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ). وغيرها أحاديث كثيرة .. فهل خفيت هذه الأحاديث على السديرة ؟ أم ماذا وراء الأمر ؟! وهذا شيء يحتاج لوقفة طويلة!!!
3/ قوله : (الألباني أعلّ أحاديث في صحيح مسلم) في تعليقه على حديث : (أسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) .. وقد عجبت جداً من هذا الكلام الذي طرح طرحاً عاماً انتقل به السديرة من التعليق على حديث لقدح عام ، فكان حري بمن يوصف بالعناية بعلم الحديث أن يذكر أن الإمام الدارقطني هو الذي أعلّ الحديث وليس الألباني ، بدلاً من يذكر الألباني هنا للتشكيك في صحيح مسلم بسبب إيراد هذا الحديث ، فالإمام الدارقطني متقدم وله شأنه في هذا العلم وله عنايته بصحيح مسلم .. فهو الأولى بالذكر .. وحديث مسلم هو : قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة : (يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
قال النووي في شرح صحيح مسلم : (قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا عِنْدِي مُرْسَل ؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَع حُذَيْفَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، لَكِنَّ الْمَتْن صَحِيح مُتَّصِل بِالطَّرِيقِ الْأَوَّل ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِم بِهَذَا مُتَتَابِعَة كَمَا تَرَى ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا أَنَّ الْحَدِيث الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيق آخَر مُتَّصِلًا تَبَيَّنَّا بِهِ صِحَّة الْمُرْسَل ، وَجَازَ الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَيَصِير فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ).
فأجاب النووي وغيره على ما ذكره الدارقطني ، وهذا هو جواب النووي الذي ذكره. وأما العلّامة الألباني فقد قال في السلسلة الضعيفة في الحديث (6381) : (ولا بد لي بهذه المناسبة - إتمام الفائدة من التذكير بأن في آخر الحديث من الحض على الكف عن قتال الأمراء وبالصبر على ظلمهم ، قد جاء فيه أحاديث صحيحة في "الصحيحين" وغيرهما ، ولذلك فلا يجوز الخروج عليهم وقتالهم ليس حباً لأعمالهم ، وإنما درءاً للفتنة ، وصبراً على ظلمهم في غير معصية لله عز وجل ، ومن ذلك حديث حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :" يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ " قَالَ حذيفة : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ :تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ".أخرجه مسلم (6/20) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1/162/2/3039) ) انتهى كلام الألباني. فالألباني يرى صحة حديث مسلم المذكور وقد استدل به على ما هو مقرر عن أهل العلم من تحريم الخروج على الحكام إلا بالشروط المعروفة ، وقد حسّن الألباني رواية أخرى وردت في سنن أبي داود كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة . والحديث صحيح لا غبار عليه ؛ وليس هو الحديث الوحيد في الأمر للرعية بالصبر على ظلم الأئمة وفسادهم وإفسادهم ، وليس هو الحديث الوحيد في الأمر بطاعتهم وعدم الخروج عليهم عند وجود المنكرات في الدين والدنيا من قِبَلِهِم وتبنيهم لها وأثرتهم بالمال وغيره ، وهذا ما حاول السديرة أن يوهم به بذكره إعلال الحديث ومطالبته - بإنكار - عن أدلة من يقول بعدم الخروج !! وبقية التعقيب على المسائل الواردة في هذا النقل من الحوار في الحلقة التالية إن شاء الله ..