الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

board

حكم شراء الأضحية بالدَّيْن

يبدو أن بعض الناس قد وقف حائرا أمام قولين منشورين في مسألة «شراء الأضحية بالدين» ، حيث أجازت فتوى شراء الأضحية بالدين سواء كان الدين مؤجلا أم مقسطا على دفعات؛

بينما منعت فتوى أخرى من ذلك باعتبار أن الأضحية سنة مؤكدة فلا يجوز فعلها باقتراض المال حيث إن الفقير الذي لا يملك ما يشتري به الأضحية تسقط عنه إن كانت واجبة؛ فكيف إذا كانت هي من المستحبات؟!
وإذا كان الناس يلجأون للقرض الذي يجدون بعد فترة وفاءه فيقترضون لشراء أثاث أو لباس أو فراش أو غيرها من الأمور مع اتفاق الجميع على جواز الاقتراض لهذه الأمور ونحوها، فكيف يقال إن شراء الأضحية بمال يقترضونه - ويجدون وفاءه بعد حين - كيف يقولون إن هذا العمل غير جائز؟!
إن الناس تقترض في المباحات وتقترض لأجل التوسعة على النفس والأزواج والأبناء في أمور ليست هي من الضروريات ولربما أحياناً لا تكون حتى من الحاجيات وإنما هي لأجل التوسع والزيادة في الكماليات ومع ذلك فإن عملهم لا يعتبر محرماً طالما أنهم يجدون الوفاء ويرغبون فيه.. فكيف يمنعون من شراء الأضحية بالقرض وهي من الأعمال الصالحة التي تكون مرة واحدة في العام؟! ولا تخفى المصالح الأخرى في ذبح الأضحية وتأثيرها على الجانب الاجتماعي وما يحصل بها من فرحة الأبناء وشعورهم بمساواتهم لغيرهم من الأهل والجيران.
إن من أراد أن يستدين لإتمام الزواج جاز له ذلك.. ومن أراد أن يستدين لإتمام حج أو عمرة جاز له ذلك.. ومن أراد أن يستدين لإتمام أمر أو شراء شيء لبر والديه جاز له ذلك.. ومن أراد أن يستدين ليضحي سواء كان الدين مؤجلاً دفعة واحدة أو على أقساط جاز له ذلك.. ومن أهديت له أضحية فليقبل الهدية وليضحي بها .. ومن دفعت له تكاليف الحج هدية أو مساعدة جاز له ذلك. وقد نشرت يوم الجمعة الماضية بهذه الصحيفة فتوى في جواز ذلك.. فإذا كان من أهديت له أضحية جاز له ذبحها فكيف بمن يأخذها يالقرض ثم يرد الدين بعد حين؟!
نعم، إن قال الشخص أنا لا أملك ما أشتري به الأضحية فليس علي أن أشتريها بالدين وإني أخشى من الدين فله ذلك.. وهذا ليس من موضع النقاش.
إن القول بجواز ذبح الأضحية بالدين هو القول الواضح رجحانه.. وبه يفتي جمع من أهل العلم من المتقدمين ومن المعاصرين.. وأنتقي من فتاوى العلماء المعاصرين ما يلي:
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله تعالى-:
هل تجب الأضحية على غير القادر؟ وهل يجوز أخذ الأضحية دَيْناً على الراتب؟
فأجاب:
«الأضحية سنة وليست واجبة. ولا حرج أن يستدين المسلم ليضحي إذا كان عنده القدرة على الوفاء». اهـ
مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز (1/37).
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله-: هل يشرع للفقير أن يستدين كي يضحي؟
فأجاب بقوله: الفقير الذي ليس بيده شيء عند حلول عيد الأضحى لكنه يأمل أن يحصل، كإنسان له راتب شهري، أو أنه في يوم العيد ليس في يده شيء لكنه يستطيع أن يستقرض من صاحبه ويوفي إذا جاء الراتب فهذا يمكن أن نقول له: لك أن تستقرض إذن وتضحي ثم توفي، أما إذا كان لا يأمل الوفاء عن قريب فإننا لا نستحب له أن يستقرض ليضحي؛ لأن هذا يستلزم إشغال ذمته بالدين ومنّ الناس عليه، ولا يدري هل يستطيع الوفاء أو لا يستطيع.
مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين(25/110)
كما سئل فضيلته: هل يجوز شراء الأضحية بالدين؟ 
فأجاب بقوله: إذا كان الرجل ليس عنده قيمة الأضحية في وقت العيد لكنه يأمل أن يحصل على قيمتها عن قُرب، كرجل موظف ليس بيده شيء في وقت العيد، لكن يعلم إذا تسَلَّم راتبه سهل عليه تسليم القيمة فإنه في هذه الحال لا حرج عليه أن يستدين، وأما من لا يأمل الحصول على قيمتها من قرب فلا ينبغي أن يستدين للأضحية.
مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين(25/110)
وأما من العلماء المتقدمين فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «والأضحية من النفقة بالمعروف، فيضحي عن اليتيم من ماله، وتأخذ المرأة من مال زوجها ما تضحي به عن أهل البيت، وإن لم يأذن في ذلك، ويضحي المدين إذا لم يطالب بالوفاء، ويتدين ويضحي إذا كان له وفاء».
وسئل عمن لا يقدر على الأضحية: هل يستدين؟
فأجاب:
«الحمد الله رب العالمين، إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن، ولا يجب عليه أن يفعل ذلك. والله أعلم».
مجموع الفتاوى (6/175)
وهذه الفتاوى نماذج وغيرها كثير في تأكيد الجواز..
أسأل الله التوفيق للجميع والقبول وأسأله أن يوفق كل مدين لسداد دينه..

الأعمدة