الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

حكم بناء القباب على الموتى

اطلعت في الأيام الماضية على بعض الكتابات التي تدعو إلى المساهمة بالمال لإعادة بناء قبة على أحد المتوفين من عباد الله تعالى المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً كان بناؤها السابق قد تهدّم ..

وأداءً للأمانة وعلى عادة عمود (الحق الواضح) - ولله الحمد – في بيان الحق الواجب اتباعه ، بالأدلة الشرعية والطرح العلمي الموضوعي وينبغي أن يجتهد غاية ما يستطيع كلّ مسلم ومسلمة لمعرفة الحكم الشرعي في ما يأتون وما يذرون ، فإن نجاتهم في العاجل والآجل تناط بذلك ؛ فأقول :
إن الحكم الشرعي المأخوذ مما ثبت في النصوص الشرعية في حكم البناء على القبور وتشييد القباب، وقد وردت نصوص شرعية عن خير البرية وأزكاها نبي الهدى والرحمة المكرّم المعظّم عليه الصلاة والسلام تفيد أنه :
يحرم البناء على القبور ولا يجوز تجصيصها ولا وضع المصابيح عليها، ويجب أن يحتكم الجميع في ذلك وفي غيره للوحي من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز البناء على القبور بتوجيه الصادق الأمين المصطفى المجتبى المرتضى عليه الصلاة والسلام فقد وردت أحاديث كثيرة بهذا الشأن ومنها ما قاله وهو على فراش الموت لبيان أن ذلك من وصاياه العظيمة لأمته التي أكّدها وهو يرتحل إلى الرفيق الأعلى، عليه الصلاة والسلام، ومن تلك الأحاديث قوله : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم وقوله : (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم كيف لو رأى النبي عليه الصلاة والسلام بعض الناس من أمته يبنون القباب في المساجد ويطوفون بها وينذرون لها ويقفون الساعات مستغيثين بالمدفونين بها، وثبت أيضاً عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي عليه الصلاة والسلام : (أنه نهى عن تجصيص القبور، والقعود عليها، والبناء عليها) رواه مسلم. وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي رضي الله عنه : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله – رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتسوية القبور ولا يبقى منها إلا قدر سنام البعير وهو ما يحترم به القبر، والأحاديث كثيرة في هذا الباب منها ما ورد في لعن من يتخذون المصابيح على القبور ويضيئونها، فإن البناء والتجصيص والتمييز والإيقاد للقبور يحصل بسببه الافتتان بالمدفونين بها، فيأتي من يجهل فيستغيث بهم ويدعوهم من دون الله فكانت هذه الأعمال من المحرمات في الشريعة لما تؤول إليه فهي ذريعة ووسيلة وسبب يوصل إلى الشرك بالله تعالى، وقد بيّن العلماء في المذاهب الأربعة وغيرهم عملهم وقبولهم بهذه النصوص النبوية وللمالكية تراث كبير وعظيم في حسم هذا الطريق وبيان تحريم البناء على القبور وتشييد القباب والأضرحة.
قال العلامة القرطبي الفقيه المفسّر المالكي رحمه الله : (وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وأما تعلية البناء الكثير على ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهاً بم كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر، مأخوذ من سنام البعير).
وكلام الإمام القرطبي السابق هو ما نصّ عليه الإمام مالك رحمه الله في المدونة، وعلّق عليه سحنون رحمه الله (1/189) ، والقول بتحريم البناء على القبور تلقاه علماء الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة لوضوح الأحاديث الواردة في ذلك، وصراحتها، والبناء على القبور وتزيينها وإيقاد المصابيح عليها هو من الوسائل التي بسببها يقع بعض الناس في الشرك بالله تعالى وهو أعظم الأخطاء والمنكرات، فإن الشرك يكون بدعاء المقبورين والأموات وندائهم من دون الله تعالى، وتجصيص القبور وبناء القباب عليها هو من الوسائل التي توصل إلى ذلك. وحماية للمسلم في أهم ما ينلك من المعتقد الصحيح نهى النبي الرؤوف الرحيم بأمته من ذلك.
وعلى الرغم من خطورة بناء القباب على القبور وخطورته إلا أن السلفيين يؤكدون أن الشريعة لا تقر مهاجمتها ولا تكسيرها ولا شيئاً من ذلك دون أن يكون ذلك بأمر الحاكم وولي الأمر،
فإن الذي يقرره أهل السنة والجماعة السلفيون في كتبهم ومؤلفاتهم ودروسهم وفتاويهم أن تغيير المنكر إن كان باليد فهو إلى الحاكم أو من يأمره ، أو للرجل في بيته لأهله ومن هم تحت ولايته، والسلفيون في شرحهم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (رواه مسلم، يبينون درجات إنكار المنكر ويؤكدون على أن : التغيير باليد للقادر عليه كالحكام، والرجل مع ولده وزوجته، وإلا فالتغيير باللسان وهو للعلماء ومن في حكمهم من الدعاة وطلاب العلم ومن لديه علم بالمنكر، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان فينتقل إلى التغيير بالقلب.
فالتغيير باليد يكون في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والجهات المختصة بذلك فيما جعل إليها، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع.  أما من لا يستطيع ذلك فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، ولئلا تصيح الأمور فوضى يغير كلٌ بيده، كما نص على ذلك أهل العلم . وحسبه أن ينكر بلسانه فيقول: هذا لا يجوز، وهذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة وبالأسلوب الحسن.
إننا نأسف أن يقع مثل هذا المنكر العظيم الذي فيه مخالفة شرعية واضحة، ونرجو أن ينتشر العلم الصحيح حتى لا توجد مثل هذه الأعمال التي لا يقرها الإسلام ولم يكن في صالحي الأمة وسلفها الصالح ذلك في العهود المباركة التي سارت على الأدلة الشرعية ولم تسر على التقليد الأعمى أو التعصب لما عليه الآباء وبعض المتبوعين.

الأعمدة

خالد كسلا

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017