الأحد، 24 أيلول/سبتمبر 2017

board

ترحيب برفع الظلم الجزئي.. ولكن!!

وجد قرار رفع العقوبات الأمريكية (الجزئي) عن بلادنا اهتماماً كبيراً وأخذ في النشر عبر وسائل النشر المتنوعة حيّزاً كبيراً، وإن تخفيف المعاناة على بلادنا وأهلها وإن رفع الظلم عن مجتمعنا ــ ولو جزئياً ــ

لهو أمر يفرح كثيراً، وإن الظلم الذي تمارسه كثير من دول الكفر وعلى رأسها أمريكا على المسلمين هو من الأمور (الثوابت) في هذا الزمان، بل بات أمراً مكرراً ومعتاداً !! وقد بيّن الله تعالى في كتابه الكريم الأمر الذي نراه واقعاً معاشاً بقوله تعالى : (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .. وطالما أننا نتمسّك بديننا دين الإسلام الدين الحق الذي ختم الله به الأديان فإنهم لن يرضوا عنّا..
وعدم رضائهم عن المسلمين هو حالهم وواقعهم يحكونه بلسان الحال قبل لسان المقال، وتعبيرهم عن عدم الرضاء عن المسلمين يختلف بين زمان وآخر وبلاد وأخرى، فأحياناً يكون بالحرب المباشرة أي التي يتولون أمرها بأنفسهم، وأحياناً بالحرب عن طريق الوكالة!! عبر وكلائهم، وأحياناً بالغزو الفكري وإثارة أسباب الفرقة بين المسلمين، وتشجيع الانقسامات، وأحياناً بدعم الفرق الغالية والمتطرّفة، ومساندة فرق الضلال التي تنتسب إلى الإسلام وهي من أشد أعداء أهل السنة والجماعة وغير ذلك!!
وإن رفع الظلم الأمريكي (الجزئي) عن بلادنا ينبغي أن يجعلنا ــ رعاة ورعية ــ حكومة وشعباً، أكثر إدراكاً وأعمق علماً وأفضل يقظة بضرورة الحفاظ على ثوابت الدين وأصول الإسلام وزيادة التمسك بدين الله تعالى الذي هو السبيل الوحيد لحفظ الله لنا في العاجل والآجل، ونجاتنا في الدنيا والآخرة.
علينا أن نزداد إيماناً بوعد الله الخالق رافع السماء بغير عمد ومن مدّ الأرض ومهد، الذي وعد المتقين بالعاقبة الحسنة وتوعّد المفرطين، والمعتدين على حدوده، وهذا حقيقة راسخة في الابتلاء والتمحيص الذي هو من محكمات الدين .. وإن سنن الله تعالى لا تتبدّل ولا تتغيّر (ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
ويتأكّد علينا جميعاً وجوب الحفاظ على هوية هذه الأمة التي هي أفضل الأمم، ووجوب رعاية ثوابتها وأداء الأمانة كما تحمّلناها، وأن الأمة الإسلامية قد اجتمعت على شريعة محكمة وثوابت راسخة، ويجمع المسلمين عموماً كتاب كريم حفظه الله من التحريف أو التغيير أو التبديل، وسنة نبوية جاءت لتبين للناس ما نزّل إليهم .. وهي وحي الله (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
إن من المسؤولية الواجبة والتي تتأكّد على المسلمين: رعاية ثوابت الدين، وعدم التنازل عنها، ونشر فضائل الإسلام .. والإسهام في توجيه المسلمين للتمسك بطرق النجاة وسبله ليسعدوا بذلك في العاجل والآجل.. هذا هو الدور المنوط بكل من قرأ قول الله تعالى : (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) ..
وإن اتجاه كل مسلم ــ من الرعاة أو الرعية ــ وعمله ونصحه للمحافظة على ثوابت الدين التي جاءت في الكتاب والسنة هو من أهم واجباته التي يسأله الله عنها وذلك بقدر وسعه وطاقته ومكانه، وكلما بقيت ثوابت الدين ومحكماته بين المسلمين وحافظوا عليها سهل عليهم اجتماعهم وعدم تفرقهم، وبذلك يهابهم أعداؤهم سواء من اليهود أو النصارى أو المنافقين أو غيرهم، فإن من ثمار رعاية الثوابت والعمل بها أن يقل الاختلاف الذي تعج به مجتمعات المسلمين، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، فإن الذي يجمع به الناس هو وحي الله تعالى وشريعته، وذلك ما ثبت في كتابه تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) .
وإن هذا الواجب الذي يشترك فيه جميع المسلمين في الجملة يتصدّرهم فيه (أولو الأمر) وهم: العلماء والحكام، وإن من الواجبات التي يجب أن يقوم بها الحاكم، وهي ما يعرف بــ (حقوق الرعية) والتي قد دونت في كتب (الأحكام السلطانية) فإن من أهم تلك الحقوق:
حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، والسعي للالتزام بأركان الإيمان والإسلام، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام، (النصحاء) لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام ومصادر النقض والإبرام.
ومن واجباته المؤكّدة عليه: حماية بيضة الإسلام والذب عنها، فيقوم بدفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش وتجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة (المانعة)، والعدة (الدافعة)، وترتيب الأجناد في الجهات على (حسب الحاجات) وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم، وبذل كل السبل لحماية الرعية والدفاع عنهم. ويوضح عِظَم المسؤولية في هذا الجانب المهم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة) رواه أبو نعيم في الحلية وهو حسن لغيره، وعلى مثل هذا يجب أن يقاس!!
وإن على أهل العلم الواجب العظيم في بيان الحق للناس وتحبيبهم في العمل به، وأداء أمانة العلم والقيام بمسؤوليته، وإن الله سائلهم عن ذلك، فإن الله يحفظ الدين بهم، فليجتهدوا في القيام بواجبهم.
ونحن نفرح بتخفيف الظالم على بلادنا ظلمه، علينا أن نؤكد ما يلي:
إن الله تعالى قد خلق هذا الإنسان واستخلفه في الأرض وأمره بأن يسير على صراطه المستقيم، وقد بين الله تعالى أن من يمكنهم في الأرض يجب عليهم القيام بعبادته سبحانه بالمعنى العام للعبادة التي تتضمن جوانب الدين كله كالعقيدة وأصول الإيمان وأركان الإسلام، وأحكامه وتشريعاته قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ).
كما حث الله تعالى من يمكنهم في حكم الناس القيام بمهمتهم التي ذكر منها: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ).
قال العلامة السعدي في تفسير هذه الآية: (ثم ذكر علامة من ينصره، وبها يعرف أن من (ادعى) أنه ينصر الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب فقال: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ) أي: ملكناهم إياها وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض، (أَقَامُوا الصَّلاةَ) في أوقاتها، وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات. (وَآتُوا الزَّكَاةَ) التي عليهم خصوصاً، وعلى رعيتهم عموماً، آتوها أهلها، الذين هم أهلها، (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ) وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعاً وعقلاً من حقوق الله، وحقوق الآدميين، (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) كل منكر شرعاً وعقلاً معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعاً، أو غير مقدر كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له، لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به.
(وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ) أي: جميع الأمور، ترجع إلى الله، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى، فمن سلطه الله على العباد من الملوك، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، والحالة الرشيدة، ومن تسلط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصل له ملك مؤقت، فإن عاقبته غير حميدة، فولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة) انتهى.
إن التوفيق كل التوفيق في إرضاء الله تعالى والصدق معه سبحانه في الأقوال والأفعال ونصرة دينه وتوحيده وشرعه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والموفّق من وفّقه الله.